تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
له ذلك في جواب أمره لهم بالتوحيد
أَوْ
نترك
أَنْ نَفْعَلَ ،
أي : دائما
فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا
من قطع الدراهم والدنانير وإفساد المعاملة والمقامرة ونحوها مما يكون إفسادا للمال ، قالوا ذلك في جواب النهي عن التطفيف والأمر بالإيفاء ، وإنما أضافوا ذلك إلى صلاته تهكما واستهزاء بها وإشعارا بأن مثل هذا لا يدعو إليه داع عقلي ، وإنما دعاك إليه خطرات ووساوس من جنس ما تواظب عليه ، وكان شعيب عليه الصلاة والسّلام كثير الصلاة في الليل والنهار ، وكان قومه إذا رأوه يصلي تغامزوا وتضاحكوا . وقصدوا بقولهم :
أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ
السخرية والهزء ، كما أنك إذا رأيت معتوها يطالع كتبا ثم يذكر كلاما فاسدا فيقال له : هذا فائدة مطالعة تلك الكتب على سبيل الهزء فكذا هنا . وقرأ حفص وحمزة والكسائي : أصلاتك بالإفراد ، والباقون بالجمع والتاء بالرفع في القراءتين ، وغلظ ورش اللام في أصلواتك ، وقولهم له :
إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
تهكم به ، وقصدوا وصفه بضدّ ذلك كما يقال للبخيل الخسيس : لو رآك حاتم لسجد لك ، وعللوا إنكار ما سمعوه منه واستبعدوه بأنه موسوم بالحلم والرشد المانعين من المبادرة إلى مثل ذلك . ثم أخرج قوله عليه الصلاة والسّلام على تقدير سؤال بقوله :
قالَ يا قَوْمِ
مستعطفا لهم لما بينهم من عواطف القرابة منبها لهم على أحسن النظر فيما ساقه على سبيل الفرض والتقدير ليكون أدعى إلى سبيل الوفاق والإنصاف
أَ رَأَيْتُمْ ،
أي : أخبروني
إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ ،
أي : برهان
مِنْ رَبِّي
وعطف على جملة الشرط المستفهم عنه قوله :
وَرَزَقَنِي
والضمير في
مِنْهُ
لله تعالى ، أي : من عنده بإعانته بلا كدّ مني في تحصيله . وعظم الرزق بقوله :
رِزْقاً حَسَناً
جليلا ومالا حلالا لم أظلم فيه أحدا ، وجواب الشرط محذوف ، أي : فهل يسوغ مع هذا الإنعام الجامع للسعادات الروحانية والجسمانية أن أخون في وحيه فأخالفه في أمره ونهيه ، وهذا اعتذار عما أنكروا عليه من تغيير المألوف والنهي عن دين الآباء
وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ ،
أي : وأذهب
إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ
فأرتكبه
إِنْ ،
أي : ما
أُرِيدُ ،
أي : فيما آمركم به وأنهاكم عنه
إِلَّا الْإِصْلاحَ ،
أي : ما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتي ونصيحتي وأمري بالمعروف ونهيي عن المنكر
مَا اسْتَطَعْتُ ،
أي : وهو الإبلاغ والإنذار فقط ، ولا أستطيع إجباركم على الطاعة ؛ لأنّ ذلك إلى اللّه تعالى فإنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء
وَما تَوْفِيقِي ،
أي : لإصابة الحق والصواب
إِلَّا بِاللَّهِ ،
أي : إلا بمعونته وتأييده
عَلَيْهِ
لا على غيره
تَوَكَّلْتُ ،
أي : اعتمدت في جميع أموري ، فإنه القادر على كل شيء ، وما عداه عاجز ، وهذه الصيغة تفيد الحصر فلا ينبغي للإنسان أن يتوكل على أحد إلا على اللّه تعالى ، وفيه إشارة إلى محض التوحيد الذي هو أقصى مراتب المبدأ وأمّا قوله :
وَإِلَيْهِ أُنِيبُ
ففيه إشارة إلى معرفة المعاد ، وهو أيضا يفيد الحصر ؛ لأنّ قوله :
وَإِلَيْهِ أُنِيبُ
يدل على أنه لا مآب للخلق إلا إلى اللّه تعالى ، وروي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه كان إذا ذكر شعيبا قال : « خطيب الأنبياء » « 1 » لحسن مراجعته قومه .
وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ ،
أي : لا يكسبنكم
شِقاقِي ،
أي : خلافي وهو فاعل بيجرم ، والضمير مفعول أوّل ، والمفعول الثاني
أَنْ يُصِيبَكُمْ
عذاب العاجلة على كفركم وأفعالكم الخبيثة . قال في « الكشاف » : جرم مثل كسب في تعديه إلى مفعول واحد وإلى مفعولين ، تقول :
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في تفسير 11541 .