تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
الكمية ، والوزن العدل في الكيفية ، ثم علل ذلك بقوله :
إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ ،
أي : بثروة وسعة تغنيكم عن التطفيف . قال ابن عباس : كانوا موسرين في نعمة . وقال مجاهد : كانوا في خصب وسعة فحذرهم زوال تلك النعمة وغلاء السعر وحلول النقمة إن لم يؤمنوا ويتوبوا وهو قوله :
وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ
إن لم تؤمنوا
عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ،
أي : يحيط بكم فيهلككم جميعا وهو عذاب الاستئصال في الدنيا وعذاب النار في الآخرة ، ومنه قوله تعالى :
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ
[ العنكبوت . 54 ] والمحيط من صفة اليوم في الظاهر ، وفي المعنى من صفة العذاب وذلك مجاز مشهور ، كقوله :
هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ
[ هود ، 77 ] .
وَيا قَوْمِ أَوْفُوا ،
أي : أتموا اتماما حسنا
الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ ،
أي : الكيل والوزن وآلتهما . فإن قيل : النهي عن النقصان أمر بالإيفاء فما فائدة قوله تعالى
أَوْفُوا ؟
أجيب : بأنهم نهوا أوّلا عن القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان ؛ لأنّ في التصريح بالقبيح نفيا عن المنهي وتغييرا له ، ثم ورد الأمر بالإيفاء الذي هو حسن في العقول مصرحا بلفظه لزيادة ترغيب فيه وبعث عليه وجيء به مقيدا .
بِالْقِسْطِ ،
أي : ليكون الإيفاء على وجه العدل والتسوية من غير زيادة ولا نقصان أمرا بما هو الواجب ؛ لأنّ ما جاوز العدل فضل وأمر مندوب إليه غير المأمور به ، وقد يكون محظورا كما في الربا وقوله تعالى :
وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ
تعميم بعد تخصيص فإنه أعم من أن يكون في المقدار أو في غيره ، فإنهم كانوا يأخذون من كل شيء يباع كما تفعل السماسرة وكانوا ، يمسكون الناس ، وكانوا ينقصون من أثمان ما يشترون من الأشياء ، فنهوا عن ذلك ، فظهر بهذا البيان أنّ هذه الأشياء غير مكررة بل في كل واحد منها فائدة زائدة . والحاصل : أنه تعالى نهى في الآية الأولى عن النقصان في المكيال والميزان ، وفي الثانية : أمر بإعطاء قدر الزيادة ولا يحصل الجزم واليقين بأداء الواجب إلا عند أداء ذلك القدر من الزيادة ، ولهذا قال الفقهاء : إنه تعالى أمر بغسل الوجه وذلك لا يحصل إلا عند غسل جزء من الرأس ، فكأنه تعالى نهى أوّلا عن سعي الإنسان في أن يجعل مال غيره ناقصا لتحصل له تلك الزيادة . وفي الثاني : أمر بأن يسعى في تنقيص مال نفسه ليخرج بالتعيين عن العهدة كما قيده بقوله تعالى :
بِالْقِسْطِ ،
وفي الآية الثالثة نهى عن النقص في كل الأشياء وكذا قوله تعالى :
وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
فإنّ العثو يعم تنقيص الحقوق وغيره من أنواع الفساد ، ومفسدين حال مؤكدة لمعنى عاملها . وفائدتها : إخراج ما يقصد به الإصلاح كما فعله الخضر عليه السّلام .
بَقِيَّتُ اللَّهِ
قال ابن عباس : يعني ما أبقى اللّه لكم من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن
خَيْرٌ لَكُمْ
مما تأخذونه بالتطفيف . وقال مجاهد : مما يحصل لكم في الدنيا من المال الحرام
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ،
أي : مصدّقين بما قلت لكم وأمرتكم به . فائدة :
بَقِيَّتُ
رسمت هنا بالتاء المجرورة . وقف عليها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي والباقون وقفوا عليها بالهاء .
وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ
أعلم جميع أعمالكم وأقدر على كفكم عما يكون منها فسادا . ولما أمرهم شعيب عليه السّلام بشيئين بالتوحيد وبترك البخس .
قالُوا
له
يا شُعَيْبُ
سموه باسمه استخفافا وغلظة وأنكروا عليه متهزئين به
أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ ،
أي : تفعل معك فعل من يأمر دائما بتكليفنا
أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ ،
أي : على سبيل المواظبة
آباؤُنا
من الأصنام ، فحذف الذي هو التكليف ؛ لأنّ الإنسان لا يؤمر بفعل غيره ، قالوا