تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
شَيْخاً
قائم مقام أن يقال : أشير إلى بعلي حال كونه شيخا ، والمقصود تعريف هذه الحالة المخصوصة وهي الشيخوخة ، وكان ابن مائة وعشرين سنة في قول ابن إسحاق . وقال مجاهد : مائة سنة وكان بين البشارة والولادة سنة
إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ،
أي : إنّ الولد من هرمين فهو استعجاب من حيث العادة دون القدرة ولذلك
قالُوا ،
أي : الملائكة لسارة
أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
منكرين عليها ذلك ، أي : لا تعجبين من ذلك فإنّ اللّه تعالى قادر على كل شيء ، وإذا أراد شيئا كان سريعا فإن خوارق العادات باعتبار أهل بيت النبوّة ومهبط المعجزات ، وتخصيصهم بمزيد النعم والكرامات ليس بمستغرب
رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ
أي : بيت إبراهيم وأهل منصوب على المدح أو النداء لقصد التخصيص كقولهم : اغفر لنا أيتها العصابة وهذا على معنى الدعاء من الملائكة لهم بالخير والبركة ، وفيه دليل على أنّ أزواج الرجل من أهل بيته
إِنَّهُ
تعالى
حَمِيدٌ ،
أي : محمود على كل حال أو فاعل ما يستوجب به الحمد
مَجِيدٌ ،
أي : كثير الخير والإحسان . القصة الخامسة : التي ذكرها اللّه تعالى في هذه السورة قصة لوط عليه السّلام المذكورة قوله تعالى :
فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ ،
أي : الخوف وهو ما أوجس من الخيفة حين أنكر أضيافه واطمأن قلبه بعرفانهم
وَجاءَتْهُ الْبُشْرى
بدل الروع بالولد أخذ
يُجادِلُنا ،
أي : يجادل رسلنا
فِي
شأن
قَوْمِ لُوطٍ
وجواب « لما » أخذ يجادلنا إلا أنه حذف اللفظ لدلالة الكلام عليه . وقيل : تقديره لما ذهب عن إبراهيم الروع جادلنا . فإن قيل : كيف جادل إبراهيم الملائكة مع علمه بأنهم لا يمكنهم مخالفة أمر اللّه وهذا منكر ؟ أجيب : بأنّ المراد من هذه المجادلة تأخير العذاب عنهم لعلهم يؤمنون ويرجعون عما هم فيه من الكفر والمعاصي ، لأنّ الملائكة قالوا :
إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ
[ العنكبوت ، 31 ] أو أنّ مجادلته إنما كانت في قوم لوط بسبب مقام لوط فيهم ، ولهذا قال إبراهيم عليه السّلام : أرأيتم لو كان فيها خمسون رجلا من المؤمنين أتهلكونها ؟ قالوا : لا قال : أو أربعون ؟ قالوا : لا . قال : فثلاثون . قالوا : لا . قال : فعشرون ؟ قالوا : لا حتى بلغ خمسة قالوا : لا . قال : أرأيتم لو كان فيها رجل مسلم أتهلكونها ؟ قالوا : لا . فعند ذلك قال : إنّ فيها لوطا . وقد ذكر اللّه تعالى هذا في سورة العنكبوت ، فقال :
وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ ( 31 ) قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ
[ العنكبوت ، 31 ، 32 ] قال ابن جريج : وكان في قرى لوط أربعة آلاف ألف ، ولو كانت هذه المجادلة مذمومة لما مدحه بقوله تعالى :
إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ ،
أي : لا يتعجل مكافأة غيره بل يتأنى فيها فيؤخر أو يعفو . ومن هذا حاله يحب من غيره هذه الطريقة ، وهذا مدح عظيم من اللّه تعالى لإبراهيم ، ثم ضم إلى ذلك ما يتعلق بالحلم وهو قوله تعالى :
أَوَّاهٌ ،
أي : كثير التأوّه من الذنوب والتأسف على الناس .
مُنِيبٌ ،
أي : رجاع . فلما أطال مجادلتهم قالوا له :
يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا ،
أي : الجدال وإن كانت الرحمة ديدنك فلا فائدة فيه :
إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ،
أي : قضاؤه الأزلي بعذابهم وهو أعلم بحالهم
وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ،
أي : لا سبيل إلى دفعه وردّه .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 79 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين