تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 657

مساهمون:

ص٦٥٧

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 106 إلى 118 ]

قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ ( 106 ) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ ( 107 ) قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ ( 108 ) إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ( 109 ) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ( 110 ) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ ( 111 ) قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ( 112 ) قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ ( 113 ) قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 114 ) أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ( 115 ) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ( 116 ) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ ( 117 ) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ( 118 )
قالُوا رَبَّنا
أي : المسبغ علينا نعمه
غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا
أي : ملكتنا بحيث صارت أحوالها مؤدّية إلى سوء العاقبة
وَكُنَّا
أي : بما جبلنا عليه
قَوْماً ضالِّينَ
في ذلك عن الحق أقوياء في موجبات الشقوة فكان سببا للضلال عن طريق السعادة .
رَبَّنا
يا من عودنا بالإحسان
أَخْرِجْنا مِنْها
أي : من النار تفضلا منك على عادة فضلك وردّنا إلى دار الدنيا لنعمل ما يرضيك
فَإِنْ عُدْنا
إلى مثل ذلك الضلال
فَإِنَّا ظالِمُونَ
لأنفسنا . ثم استأنف جوابهم بأن :
قالَ
لهم بلسان ملك بعد قدر الدنيا مرتين كما يقال للكلب
اخْسَؤُا
أي : انزجروا زجر الكلاب وانطردوا عن مخاطبتي ساكتين سكوت هوان
فِيها
أي : النار
وَلا تُكَلِّمُونِ
أصلا ، فإنكم لستم بأهل لمخاطبتي لأنكم لن تزالوا متصفين بالظلم فييأس القوم بعد ذلك ، ولا يتكلموا بكلمة إلا الزفير والشهيق والعواء كعواء الكلاب ، وقال القرطبي : إذا قيل لهم ذلك انقطع رجاؤهم ، وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض فانطبقت عليهم ، وعن ابن عباس أن لهم ست دعوات إذا دخلوا النار قالوا ألف سنة : ربنا أبصرنا وسمعنا ، فيجابون : حق القول مني ، فينادون ألفا : ربنا أمتنا اثنتين ، فيجابون : ذلكم بأنه إذا دعي اللّه وحده كفرتم ، فينادون ألفا : يا مالك ليقض علينا ربك ، فيجابون : إنكم ماكثون ، فينادون ألفا : ربنا أخرجنا منها ، فيجابون : أولم تكونوا أقسمتم ، فينادون ألفا : أخرجنا نعمل صالحا ، فيجابون : أولم نعمركم ، فينادون ألفا : رب ارجعون ، فيجابون : اخسؤوا فيها ولا تكلمون ، ثم لا يكون لهم إلا الزفير والشهيق والعواء . ثم علل ذلك بقوله تعالى :
إِنَّهُ كانَ
أي : كونا ثابتا
فَرِيقٌ
أي : ناس قد استضعفتموهم
مِنْ عِبادِي
وهم المؤمنون
يَقُولُونَ
مع الاستمرار
رَبَّنا
أي : أيها المحسن إلينا بالخلق والرزق
آمَنَّا
أي : أوقعنا الإيمان بجميع ما جاءتنا به الرسل
فَاغْفِرْ لَنا
أي : استر لنا زللنا
وَارْحَمْنا
أي : افعل بنا فعل الراحم
وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ
لأنك تخلص برحمتك من كل شقاء وهوان .
فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ
أي : فتسبب عن إيمانهم أن اتخذتموهم
سِخْرِيًّا
أي : تسخرون منهم وتستهزؤن بهم ، وقرأ نافع وحمزة والكسائي بضم السين ، والباقون بالكسر وهو مصدر سخر كالسخر إلا أن في ياء النسب زيادة قوّة في الفعل كما قيل : الخصوصية في الخصوص ، وعن الكسائي والفرّاء أن المكسور من الهزء والمضموم من السخرية والعبودية ، أي : تسخرونهم وتتعبدونهم ؛ قال الزمخشري : والأول مذهب الخليل وسيبويه ، انتهى . وأظهر الذال عند التاء ابن