تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 617

مساهمون:

ص٦١٧
بِالْعَذابِ
الذي توعدتهم به تكذيبا واستهزاء
وَ
الحال أنه
لَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ
أي : الذي لا كفء له
وَعْدَهُ
لامتناع الخلف فيه وفي خبره سبحانه وتعالى فيصيبهم ما وعدهم به ، ولو من بعد حين لكنه تعالى حليم لا يعجل بالعقوبة ، وقد أنجزه يوم بدر
وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ
أي : المحسن إليك بتأخير العذاب عنهم إكراما لك من أيام الآخرة بالعذاب
كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
في الدنيا وطول أيامه حقيقة أو من حيث إنّ أيام الشدائد مستطالة ، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء على الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب .
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها
أي : أمهلتها كما أمهلتكم
وَهِيَ ظالِمَةٌ
كظلمكم بالاستعجال وغيره
ثُمَّ أَخَذْتُها
أي : بالعذاب والمراد أهلها
وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ
أي : المرجع فينقطع كل حكم دون حكمي ففيه وعيد وتهديد . فإن قيل : لم قال :
فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها
[ الحج ، 45 ] بالفاء ، وقال هنا بالواو ؟ أجيب : بأنّ الأولى وقعت بدلا عن قوله تعالى :
فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ،
وأما هذه فحكمها حكم ما تقدّم من الجملتين المعطوفتين بالواو أعني قوله تعالى :
وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ،
ولما كان الاستعجال لا يطلب من الرسول وإنما يطلب من المرسل ، أمره اللّه تعالى بأن يديم لهم التخويف والإنذار بقوله تعالى :
قُلْ
أي : لهم ولا يصدّنك عن دعائهم ما أخبرناك به من عملهم
يا أَيُّهَا النَّاسُ
أي : جميعا من قومك وغيرهم
إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ
أي : بين الإنذار والاقتصار على الإنذار مع عموم الخطاب ، وذكر الفريقين لأنّ صدر الكلام وسياقه للمشركين ، وإنما ذكر المؤمنين وثوابهم بقوله :
فَالَّذِينَ آمَنُوا
أي : أقرّوا بالإيمان
وَعَمِلُوا
أي : تصديقا لدعواهم تلك
الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ
أي : لما فرط منهم
وَرِزْقٌ
أي : في الدنيا بالغنائم وغيرها ، وفي الآخرة بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر
كَرِيمٌ
أي : لا خسة فيه ولا دناءة بانقطاع ولا غيره زيادة في غيظهم . ولما كان في سياق الإنذار قال معبرا بالماضي زيادة في التخويف :
وَالَّذِينَ سَعَوْا
أي : أوقعوا السعي ولو مرّة واحدة
فِي آياتِنا
أي : القرآن بإبطالها
مُعاجِزِينَ
من اتبع النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أي : ينسبونهم إلى العجز ويثبطونهم عن الإيمان أو مقدّرين عجزنا عنهم ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتشديد الجيم بعد العين على أنها حال مقدّرة والباقون بألف بعد العين وتخفيف الجيم أي : مسابقين مشاقين للساعين فيها بالتثبيط
أُولئِكَ
البعداء البغضاء
أَصْحابُ الْجَحِيمِ
أي : النار استحقاقا بما سعوا فيسكنهم فيها ليعلموا أنهم هم العاجزون . ولما لاح من ذلك أنّ الشيطان ألقى شبها يفاخرون فيها بجدالهم في دين اللّه الذي أمر رسوله محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بإظهاره وتقريره وإشهاره عطف عليه تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم قوله تعالى :

[ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 52 إلى 72 ]

وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 52 ) لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ( 53 ) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 54 ) وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ( 55 ) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 56 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 57 ) وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 58 ) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ( 59 ) ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ( 60 ) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( 61 ) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ( 62 ) أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ( 63 ) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 64 ) أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 65 ) وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ ( 66 ) لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ ( 67 ) وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ ( 68 ) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( 69 ) أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ( 70 ) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ( 71 ) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَ فَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 72 )