تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 605

مساهمون:

ص٦٠٥
تنبيه : محل الخلاف بين العلة في بيع نفس الأرض أمّا البناء فهو مملوك يجوز بيعه بلا خلاف أي : إذا لم يكن من أجزاء أرضها قيل : إن إسحاق الحنطيّ ناظر الشافعيّ رضي اللّه تعالى عنه بمكة في بيع دور مكة فاستدلّ الشافعي بما مرّ واستدلّ هو على المنع بقوله حدّثني بعض التابعين بأنها لا تباع فقال له الشافعيّ : لو قام غيرك مقامك لأمرت بفرك أذنيه ، أقول لك : قال اللّه ورسوله تقول : حدّثني بعض التابعين وقال الرازي فقال إسحاق : فلما علمت أن الحجة لزمتني تركت قولي . وقرأ حفص سواء بالنصب على أنه ثاني مفعولي جعلناه أي : جعلناه مستويا العاكف فيه والباد ، والباقون بالرفع على أن الجملة مفعول ثان لجعلناه ، ويكون للناس حالا من الهاء ويصح أن يكون حالا من المستكنّ في للناس بجعله مفعولا ثانيا لجعلنا وقرأ ورش وأبو عمرو البادي بإثبات الياء بعد الدال وصلا لا وقفا وأثبتها ابن كثير وقفا ووصلا وحذفها الباقون وقفا ووصلا
وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ
أي : المسجد الحرام
بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ
أي : بميل إلى الظلم والإلحاد العدول عن القصد وأصله إلحادا لحافر وقيل : الإلحاد فيه هو الشرك وعبادة غير اللّه ، وقيل : هو كلّ شيء منهيّ عنه من قول أو فعل حتى شتم الخادم ، وقيل : هو دخول الحرم بغير إحرام أو ارتكاب شيء من محظورات الإحرام من قتل صيد أو قطع شجر ، وقال ابن عباس : هو أن تقتل فيه من لا يقتلك ، أو تظلم فيه من لا يظلمك . وقال مجاهد : هو تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات . وقال سعيد بن جبير : احتكار الطعام بمكة بدليل ما روى يعلى بن أمية أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنّ احتكار الطعام في الحرم إلحاد » « 1 » وعن عطاء قول الرجل في المبايعة لا واللّه بلى واللّه وعن عبد اللّه بن عمر أنه كان له فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم ، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل فقيل له فقال كنا نحدّث أنّ من الإلحاد فيه أن يقول الرجل : لا واللّه وبلى واللّه . تنبيه : قوله : بإلحاد بظلم حالان مترادفان ومفعول يرد متروك ليتناول كل متناول كأنه قال : ومن يرد فيه مرادا أمّا عادلا عن القصد ظالما
نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
أي : مؤلم أي : بعضه وخبر إنّ محذوف لدلالة جواب الشرط عليه تقديره إنّ الذين كفروا ويصدّون عن سبيل اللّه والمسجد الحرام نذيقهم من عذاب أليم ، فكل من ارتكب فيه ذنبا فهو كذلك فينبغي لمن كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد والعدل في جميع ما يهمّ به ويقصده . ولما ذكر تعالى الفريقين وجزاء كل وختمه بذكر البيت أتبعه التذكير به فقال تعالى :

[ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 26 إلى 37 ]

وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ( 26 ) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ( 27 ) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ ( 28 ) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ( 29 ) ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ( 30 ) حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ ( 31 ) ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ( 32 ) لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ( 33 ) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ( 34 ) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 35 ) وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 36 ) لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ( 37 )
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود حديث 2020 ؛ والسيوطي في الدر المنثور 4 / 351 ، 352 ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 5 / 489 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 34636 .