تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 577

مساهمون:

ص٥٧٧
ذلك مما بي ، ولكنه ألقاني وتعالى عني ، فهو يراني ولا أراه ، ويسمعني ولا أسمعه ، فلما قال ذلك أيوب وأصحابه عنده أظله غمام حتى ظنّ أصحابه أنه عذاب . ثم نودي : يا أيوب إنّ اللّه تعالى يقول : ها أنا قد دنوت منك ولم أزل منك قريبا ، قم فأدل بعذرك وتكلم بحجتك ، وخاصم عن نفسك ، واشدد أزرك ، وقم مقام جبار يخاصم جبارا إن استطعت ، فإنه لا ينبغي أن يخاصمني إلا جبار مثلي ، لقد منتك نفسك يا أيوب أمرا ما بلغ مثله قوتك أين أنت مني يوم خلقت الأرض فوضعتها على أساسها ؟ هل كنت معي تمدّ بأطرافها ؟ هل أنت علمت بأي مقدار قدرتها أم على أي شيء وضعت أكنافها ؟ أبطاعتك حمل الماء الأرض أم بحكمتك كانت الأرض للماء غطاء ؟ أين كنت مني يوم رفعت السماء سقفا في الهواء لا تعلق بسبب من فوقها ، ولا يقلها دعم من تحتها ؟ هل تبلغ من حكمتك أن تجري نورها أو تسير نجومها ، أو يختلف بأمرك ليلها ونهارها ؟ أين أنت مني يوم أنبعت الأنهار ، وسكرت البحار ؟ أبسلطانك حبست أمواج البحار على حدودها أم قدرتك فتحت الأرحام حتى بلغت مدتها ؟ أين أنت مني يوم صببت الماء على التراب ونصبت شوامخ الجبال ؟ هل تدري على أيّ شيء أرسيتها ، أم بأيّ مثقال وزنتها ؟ أم هل لك من ذراع تطيق حملها ؟ أم هل تدري أين الماء الذي أنزلت من السماء ؟ أم هل تدري من أيّ شيء أنشىء السحاب ؟ أم هل تدري أين خزانة الثلج ؟ أم أين جبال البرد ؟ أم أين خزانة الليل بالنهار ، وخزانة النهار بالليل ؟ وأين خزانة الريح ؟ وبأي لغة تتكلم الأشجار ؟ من جعل العقول في أجواف الرجال ؟ ومن شق الأسماع والأبصار ؟ ومن دانت الملائكة لملكه ، وقهر الجبارين بجبروته ، وقسم الأرزاق بحكمته ؟ في كلام كثير يدل على كمال قدرته ذكرها لأيوب . فقال أيوب عليه الصلاة والسّلام : كلّ شأنيّ وكلّ لساني وكل عقلي ورأيي وضعفت قوّتي عن هذا الأمر الذي تعرض لي يا إلهي ، قد علمت أن كل الذي ذكرت صنع يدك ، وتدبير حكمتك ، وأعظم من ذلك وأعجب لو شئت عملت ، لا يعجز عنك شيء ، ولا تخفى عليك خافية ، أذلني البلاء يا إلهي ، فتكلمت فكان البلاء هو الذي أنطقني ، فليت الأرض انشقت بي فذهبت فيها ، ولم أتكلم بشيء يسخط ربي وليتني مت بغمي في أشدّ بلائي قبل ذلك ، إنما تكلمت حين تكلمت لتعذرني وسكت حين سكت لترحمني كلمة زلت مني فلم أعد قد وضعت يدي على فمي وعضضت على لساني ، وألصقت بالتراب خدي أعوذ بك اليوم منك وأستجير بك من جهد البلاء ، فأجرني ، وأستغيث بك من عقابك فأغثني ، وأستعين بك على أمري فأعني ، وأتوكل عليك فاكفني ، وأعتصم بك فاعصمني ، وأستغفرك فاغفر لي فلن أعود لشيء تكرهه مني . قال اللّه تعالى : يا أيوب نفذ فيك علمي وسبقت رحمتي غضبي ، فقد غفرت لك . فقال أيوب :
أَنِّي
قد
مَسَّنِيَ الضُّرُّ
بتسليطك الشيطان عليّ في بدني وأهلي ومالي ، وقد طمع الآن في ديني وذلك أنه زين لامرأة أيوب أن تأمره أن يذبح لصنم فإنه يبرأ ثم يتوب ، ففطن لذلك ، وحلف ليضربنها إن برأ مائة جلدة ، وقال وهب : لبث أيوب في البلاء ثلاث سنين ، وروي عن أنس يرفعه « أنّ أيوب لبث ببلائه ثمان عشرة سنة » « 1 » ، وقال كعب سبع سنين ، وقال الحسن : مكث أيوب مطروحا على كناسة لبني إسرائيل سبع سنين وشهرا يختلفون في الدواء ولا يقربه أحد
هامش
( 1 ) أخرجه السيوطي في الدر المنثور 4 / 330 ، والبغوي في تفسيره 3 / 307 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 577 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين