تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 575

مساهمون:

ص٥٧٥
أيوب ، فقال عفريت : عندي من القوّة ما إذا شئت تحولت ريحا عاصفا تنسف كل شيء تأتي عليه ، قال : فأت الفدادين والحرث ، فانطلق حين شرع الفدادون في الحرث والزرع ، فلم يشعروا حتى هبت ريح عاصف فنسفت كل شيء من ذلك حتى كأنه لم يكن . ثم جاء إبليس متمثلا بقهرمان الحرث إلى أيوب وهو قائم يصلي ، فقال له مثل قوله الأوّل ، فردّ عليه أيوب مثل ردّه الأوّل ، وجعل إبليس يهلك أمواله مالا مالا حتى مرّ على آخره كلما انتهى إليه هلاك مال من أمواله حمد اللّه تعالى ، وأحسن الثناء عليه ورضي عنه بالقضاء ، ووطن نفسه بالصبر على البلاء حتى لم يبق له مال ، فلما رأى إبليس أنه قد أفنى ماله ولم ينجح منه بشيء صعد سريعا حتى وقف في الموقف الذي يقف فيه وقال : إلهي إنّ أيوب يرى أنك ما متعته بولده ، فأنت تعطيه المال ، فهل أنت مسلطي على ولده ، فإنها المصيبة التي لا تقوم لها قلوب الرجال . قال اللّه تعالى : انطلق فقد سلطتك على ولده ، فانقض عدوّ اللّه إبليس حتى جاء بني أيوب وهم في قصرهم ، فلم يزل يزلزله بهم حتى تداعى من قواعده وجعل جدره يضرب بعضها بعضا ، ويرميهم بالخشب والحجارة حتى مثل بهم كل مثلة ورفع القصر فقلبه ، فصاروا منكبين وانطلق إلى أيوب متمثلا بالمعلم الذي كان يعلمهم الحكمة وهو جريح مشدوخ الوجه يسيل دمه ودماغه ، فأخبره وقال : لو رأيت بنيك كيف عذبوا وقلبوا فكانوا منكبين على رؤوسهم تسيل دماؤهم ، ولو رأيت كيف شقت بطونهم فتناثرت أمعاؤهم لقطع قلبك ، فلم يزل يقول : هذا أو نحوه حتى رق قلب أيوب وبكى ، وقبض قبضة من التراب فوضعها على رأسه وقال : ليت أمّي لم تلدني ، فاغتنم إبليس ذلك ، فصعد سريعا بالذي كان من جزع أيوب مسرورا به ، ثم لم يلبث أيوب أن فاء وأبصر واستغفر ، فصعد قرناؤه من الملائكة بتوبته ، فسبقت توبته إلى اللّه عزّ وجلّ ، وهو أعلم ، فوقف إبليس خاسئا ذليلا . وقال : إلهي إنما هوّن على أيوب المال والولد إنه يرى أنك ما متعته بنفسه ، فإنك تعيد له المال والولد ، فهل أنت مسلطي على جسده ، فقال اللّه عزّ وجلّ : انطلق فقد سلطتك على جسده ، ولكن ليس لك سلطان على لسانه ولا على قلبه ولا على عقله ، وكان اللّه عز وجل أعلم به لم يسلطه عليه إلا رحمة لأيوب ليعظم له الثواب ويجعله عبرة للصابرين وذكرى للعالمين في كل بلاء نزل بهم ليتأسوا به في الصبر ورجاء الثواب ، فانقض عدوّ اللّه سريعا فوجد أيوب في مصلاه ساجدا ، فعجل قبل أن يرفع رأسه فأتاه من قبل وجهه ، فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها سائر جسده ، فخرج من قرنه إلى قدمه ثآليل مثل أليات الغنم ، ووقعت فيه حكة ، فحك بأظفاره حتى سقطت كلها ، ثم حكها بالمسوح الخشنة حتى قطعها ، ثم حكها بالفخار والحجارة الخشنة ، فلم يزل يحكها حتى بقل لحمه ، وتقطع وتغير وأنتن ، وأخرجه أهل القرية وجعلوه على كنأسة ، وجعلوا له عريشا فرفضه خلق اللّه كلهم غير امرأته ، وهي رحمة بنت إفرائيم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسّلام ، فكانت تختلف إليه بما يصلحه وتلزمه ، ولما رأى الثلاثة من أصحابه وهم اليفن وبلدد وصابر ما ابتلاه اللّه تعالى به اتهموه ورفضوه من غير أن يتركوا دينه ، فلما طال به البلاء انطلقوا إليه ، فبكتوه ولاموه ، وقالوا له : تب إلى اللّه تعالى من الذنب الذي عوقبت عليه ، قال وحضره معهم فتى حديث السنّ قد آمن به وصدّقه فقال لهم : إنكم تكلمتم أيها الكهول ، وأنتم أحق بالكلام مني لأسنانكم ، ولكنكم تركتم من القول أحسن من الذي قلتم ،