تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 536

مساهمون:

ص٥٣٦
هباء منثورا ؛ قال الخليل : ينسفها يذهبها ويطيرها . وفي ضمير
فَيَذَرُها
قولان أحدهما : أنه ضمير الأرض أضمرت للدلالة عليها كقوله تعالى :
ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ
[ فاطر ، 45 ] ، والثاني : ضمير الجبال ، وذلك على حذف مضاف أي : فيذر مراكزها ومقارها ، ويذر يجوز أن يكون بمعنى يخليها ، فيكون
قاعاً
حالا وأن يكون بمعنى يترك التصييريه ، فيتعدى لاثنين فقاعا ثانيهما ، والقاع هو المكان المستوي ، وقيل : الأرض التي لا بناء فيها ، ولا نبات ، وفي قوله تعالى :
صَفْصَفاً
قولان أحدهما : الأرض الملساء ، والثاني : المستوية ، والقاع والصفصف قريبان من الترادف ، وجمع القاع أقوع وأقواع وقيعان
لا تَرى فِيها
أي : الأرض أو مواضع الجبال
عِوَجاً
أي : انخفاضا
وَلا أَمْتاً
أي : ارتفاعا بوجه من الوجوه ، وعبر هنا في العوج بالكسر ، وهو للمعاني ، ولم يعبر بالفتح الذي توصف به الأعيان ، فإن الأرض أو مواضع الجبال أعيان لا معان نفيا للاعوجاج على أبلغ وجه بمعنى أنك لو جمعت أهل الخبرة بتسوية الأرض لاتفقوا على الحكم باستوائها ، ثم لو جمعت أهل الهندسة فحكموا بمقاييسهم العلمية فيها لحكموا بمثل ذلك .
يَوْمَئِذٍ
أي : يوم إذ نسفت الجبال
يَتَّبِعُونَ
أي : الناس بعد القيام من القبور بغاية جهدهم
الدَّاعِيَ
أي : إلى المحشر ، وهو إسرافيل يضع الصور على فيه ويقف على صخرة بيت المقدس ويقول : أيتها العظام البالية ، والجلود الممزقة واللحوم المتفرقة هلموا إلى عرض الرحمن
لا عِوَجَ لَهُ
أي : الداعي في شيء من قصدهم إليه ؛ لأنه ليس في الأرض ما يحوجهم إلى التعويج ، ولا يمنع الصوت من النفوذ على السواء ، وقيل : لا عوج لدعائه ، وهو من المقلوب ، أي : لا عوج له عن دعاء الداعي لا يزيغون عنه يمينا ولا شمالا ، ولا يقدرون عليه ، بل يتبعونه سراعا
وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ
أي : سكنت وذلت وتطامنت لخشوع أهلها
لِلرَّحْمنِ
الذي عمت نعمه ، فيرجى كرمه ، وتخشى نقمه
فَلا
أي : فتسبب عن خشوعها أنك لا
تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً
أخفى ما يكون من الأصوات ، وقيل : أخفى شيء من أصوات الأقدام في نقلها إلى المحشر كصوت أخفاف الإبل في مشيها .
يَوْمَئِذٍ
أي : إذا كان ما تقدم
لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ
أحدا
إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ
أن يشفع له
وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا
ولو الإيمان المجرد قال ابن عباس : يعني قال : لا إله إلا اللّه ، فهذا يدل على أنه لا يشفع لغير المؤمن ، ولما نفى أن تنفع شفاعة بغير إذنه علل ذلك كما سلف في آية الكرسي بقوله :
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
أي : الخلائق من أمور الآخرة
وَما خَلْفَهُمْ
من أمور الدنيا ، وقيل :
ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
ما قدموا
وَما خَلْفَهُمْ
ما خلفوا من الأعمال
وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
أي : لا يحيط علمهم بمعلوماته ، وقيل : الضمير راجع إلى
ما
أي : يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ، وهم لا يعلمونه ، وقيل : راجع إلى اللّه تعالى أي : ولا يحيطون بالله علما . ولما ذكر خشوع الأصوات أتبعه خضوع ذويها ، فقال :
وَعَنَتِ الْوُجُوهُ
أي : ذلت وخضعت في ذلك اليوم ، ويصير الملك والقهر للّه تعالى دون غيره ، وخص الوجوه بالذكر مع أن المراد الأشخاص لشرف الوجوه ، ولأنها أول ما يظهر فيها الذل
لِلْحَيِّ
الذي هو مطلع على الدقائق والجلائل
الْقَيُّومِ
الذي لا يغفل عن التدبير ومجازاة كل نفس بما كسبت ؛ روى ابن