تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 409

مساهمون:

ص٤٠٩
اليد فرفعناه فإذا اليد قد برئت . وأما ما روي عن بعض الصحابة فشئ كثير ، ونذكر منها شيئا قليلا ، منها ما روى محمد بن المنكدر عن سفينة قال : ركبت البحر فانكسرت سفينتي التي كنت فيها ، وركبت لوحا من ألواحها فطرحني اللوح في خيسة فيها أسد فخرج الأسد إليّ يريدني فقلت : يا أبا الحارث أنا مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . قال : فتقدّم الأسد إليّ ودلني على الطريق ثم همهم فظننت أنه يودّعني ورجع . ومنها ما روى ثابت عن أنس أنّ أسيد بن حضير ورجلا آخر من الأنصار تحدّثا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في حاجة لهما حتى ذهب من الليل زمان ثم خرجا من عنده وكانت الليلة شديدة الظلمة وكان في يد كل واحد منهما عصا فأضاءت عصا أحدهما لهما حتى مشيا في ضوئها فلما افترقت بينهما الطريق أضاءت للآخر عصاه فمشى حتى بلغ منزله . ومنها ما روي أنه قيل لخالد بن الوليد : إنّ في عسكرك من يشرب الخمر فركب فرسه ليلة فطاف بالعسكر فلقي رجلا على فرس ومعه خمر فقال : ما هذا ؟ قال : خل . فقال : خالد : اللهم اجعله خلا فذهب الرجل إلى أصحابه فقال : أتيتكم بخمر ما شربت العرب مثله فلما فتحوا فإذا هو خل فقالوا : واللّه ما جئتنا إلا بخل فقال : واللّه هذا دعاء خالد . ومنها الواقعة المشهورة وهي أنّ خالد بن الوليد أكل كفا من السم على اسم اللّه وما ضرّه . ومنها ما روي أنّ ابن عمر كان في بعض أسفاره فلقي جماعة وقفوا على الطريق من خوف السبع فطرد السبع من طريقهم ، ثم قال : إنما يسلط على ابن آدم ما يخافه ولو أنه لم يخف غير اللّه لما سلط عليه شيء . ومنها ما روي أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بعث العلاء الحضرمي في غزاة فحال بينهم وبين المطلوب قطعة من البحر فدعا باسم اللّه الأعظم ومشوا على الماء . وفي كتب الصوفية من هذا الباب روايات متجاوزة عن الحدّ والحصر فمن أرادها طالعها . وأما الدلائل العقلية على جواز الكرامات فمن وجوه : الأوّل : أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال حاكيا عن رب العزة : « من آذى لي وليا فقد بارزته بالمحاربة » « 1 » فجعل إيذاء الولي قائما مقام إيذائه وتأكد هذا بالخبر المشهور أنه تعالى يقول يوم القيامة : « يا ابن آدم مرضت فلم تعدني ، استسقيتك فما سقيتني ، استطعمتك فما أطعمتني ، فيقول : يا رب كيف أفعل هذا وأنت رب العالمين فيقول : إنّ عبدي فلانا مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدت ذلك عندي » « 2 » . وكذا في السقي والإطعام فدلت هذه الأخبار على أنّ أولياء اللّه يبلغون هذه الدرجات العالية والمراتب الشريفة . فإذا جاز اتصال العبد إلى هذه الدرجات فأيّ بعد أن يعطيه اللّه تعالى كسرة خبز أو جرعة ماء أو يسخر له كلبا أو دودة . الوجه الثاني : أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال عن رب العزة : « ما تقرب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترض عليه ، ولا يزال يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا وقلبا ولسانا ويدا ورجلا فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يمشي » « 3 » . وهذا الخبر يدل على أنه لم يبق في سمعهم نصيب
هامش
( 1 ) أخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 5 / 295 ، 8 / 477 ، 9 / 610 ، وأبو نعيم في حلية الأولياء 45 . ( 2 ) أخرجه مسلم في البر حديث 2569 . ( 3 ) أخرجه البخاري في الرقاق حديث 6502 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 409 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين