تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦
التقديم والتأخير ، أي : لبثوا سنين ثلاثمئة . وأمّا وجه القراءة الأولى فهو أنّ الواجب في الإضافة أن يقال : ثلاثمائة سنة إلا أنه يجوز وضع الجمع موضع الواحد في التمييز ، كقوله تعالى :
بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا
[ الكهف ، 103 ] وحذف مميز تسع لدلالة ما تقدّم عليه إذ لا يقال : عندي ثلاثمئة درهم وتسعة إلا وأنت تعني تسعة دراهم ، ولو أردت ثيابا أو نحوها لم يجز لأنه ألغاز . ثم إنّ اللّه تعالى أمر نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا نازعوه في مدّة لبثهم في الكهف بقوله تعالى :
قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا ،
أي : فهو أعلم منكم وقد أخبر بمدّة لبثهم ، وقيل : إنّ أهل الكتاب قالوا : إنّ المدّة من حين دخلوا الكهف إلى يومنا هذا وهو اجتماعهم بالنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ثلاثمئة سنين وازدادوا تسع سنين ، فرد اللّه تعالى عليهم ذلك وقال :
اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا
يعني بعد قبض أرواحهم إلى يومنا هذا لا يعلمه إلا اللّه
لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي : ما غاب فيهما وخفي من أحوال أهلهما فالغيب ما يغيب عن إدراكك واللّه عز ذكره لا يغيب عن إدراكه شيء فيكون عالما بهذه الواقعة لا محالة وقوله تعالى :
أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ
كلمة تذكر في التعجب ، أي : ما أبصر اللّه تعالى بكل موجود وما أسمعه بكل مسموع
ما لَهُمْ
أي : أهل السماوات والأرض
مِنْ دُونِهِ
أي : اللّه
مِنْ وَلِيٍّ
أي : ناصر
وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ
أي : في قضائه
أَحَداً
منهم ولا يجعل له فيه مدخلا لأنه غني بذاته عن كل أحد ، وقيل : الحكم هنا علم الغيب ، أي : لا يشرك في علم غيبه أحدا . وقرأ ابن عامر بالمثناة فوق قبل الشين وبسكون الكاف على نهي كل أحد عن الإشراك ، والباقون بالتحتية وضمّ الكاف . تنبيه : احتج أصحابنا رحمهم اللّه تعالى بهذه القصة على صحة القول بالكرامة للأولياء وقد قدمنا معرفة الوليّ في سورة يونس عند قوله تعالى :
أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
[ يونس ، 62 ] فمما يدل على جواز كرامات الأولياء القرآن والأخبار والآثار والمعقول ، أمّا القرآن فالمعتمد فيه عندنا آيات الحجة الأولى : قصة مريم عليهاالسّلام وقد شرحناها في سورة آل عمران فلا نعيدها . الحجة الثانية : قصة أصحاب الكهف وبقاؤهم في النوم سالمين من الآفات مدّة ثلاثمئة سنة وتسع سنين ، وأنّ اللّه تعالى كان يعصمهم من حرّ الشمس ، ومن الناس من تمسك أيضا في هذه المسألة بقوله تعالى :
قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ
[ النمل ، 40 ] على أنه غير السيد سليمان والسيد جبريل . وأما الأخبار فكثيرة منها ما أخرج في الصحيح عن أبي هريرة عن النبيّ صلىّ اللّه عليه وسلّم أنه قال : « لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة ؛ عيسى ابن مريم وصبيّ في زمن جريج وصبيّ آخر ؛ أمّا عيسى فقد عرفتموه ، وأمّا جريج فكان رجلا عابدا في بني إسرائيل وكانت له أمّ فكان يوما يصلي إذ اشتاقت إليه أمّه فقالت : يا جريج فقال : يا رب أمّي وصلاتي الصلاة خير أم رؤيتها ثم يصلي فدعته ثانيا فقال مثل ذلك حتى تم ثلاث مرّات وكان يصلي ويدعها فاشتدّ ذلك على أمّه فقالت : اللهمّ لا تمته حتى تريه المومسات . وكانت زانية في بني إسرائيل فقالت لهم : أنا أفتن جريجا حتى يزني بي فأتته فلم تقدر على شيء ، وكان هناك راع يأوي بالليل إلى صومعته فلما أعياها جريج راودت الراعي على نفسها فأتاها فولدت ثم قالت : ولدي هذا من جريج ، فأتاه بنو إسرائيل وكسروا صومعته وشتموه ثم نخس الغلام قال أبو هريرة : كأني أنظر إلى النبيّ صلىّ الّله عليه وسلّم حين قال بيده : يا غلام من أبوك ؟ فقال : الراعي . فندم القوم على ما كان منهم واعتذروا إليه وقالوا نبني لك صومعتك من ذهب أو
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 406 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين