التسبيح . قال البغوي : والأول أصح وهو المنقول عن السلف . وقال ابن الخازن : القول الأول أصح لما دلت عليه الأحاديث وأنه منقول عن السلف . قال البغوي : واعلم أنّ للّه تعالى علما في الجمادات لا يقف عليه غيره فينبغي أن يوكل علمه إليه
وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ
أي : لا تفهمون
تَسْبِيحَهُمْ
أي : لأنه ليس بلغتكم
إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً .
ولما ذكر سبحانه وتعالى إثبات الإلهية أتبعه بذكر تقرير النبوّة بقوله تعالى :
وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ
أي : الذي لا يدانيه واعظ ولا يساويه مفهم وهو تبيان لكل شيء
جَعَلْنا
أي : بما لنا من العظمة
بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً
أي : يحجب قلوبهم عن فهم ما تقرؤه عليهم والانتفاع به . قال قتادة : هو الأكنة فالمستور بمعنى الساتر كقوله تعالى :
كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا
[ مريم ، 61 ] مفعول بمعنى فاعل وقيل : مستورا عن أعين الناس فلا يرونه وفسره بعضهم بالحجاب عن الأعين الظاهرة كما روي عن سعيد بن جبير أنه لما نزلت
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ
[ المسد ، 1 ] جاءت امرأة أبي لهب ومعها حجر والنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مع أبي بكر رضي اللّه عنه فلم تره فقالت لأبي بكر : أين صاحبك ؟ لقد بلغني أنه هجاني . فقال : واللّه ما ينطق بالشعر ولا يقوله فرجعت وهي تقول : قد كنت جئت بهذا الحجر لأرض به رأسه فقال أبو بكر : ما رأتك يا رسول اللّه ؟ قال :
« لا ما يزل ملك بيني وبينها يسترني » « 1 » .
وَجَعَلْنا
أي : بما لنا من العظمة
عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً
أي : أغطية كراهية
أَنْ يَفْقَهُوهُ
أي : يفهموه أي : يفهموا القرآن حق فهمه
وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً
أي : شيئا ثقيلا يمنع سماعهم ، وعن أسماء كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جالسا ومعه أبو بكر إذ أقبلت امرأة أبي لهب ومعها فهر تريد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وهي تقول : مذمما أبينا ودينه قلينا وأمره عصينا . فقال أبو بكر : يا رسول اللّه معها فهر أخشاها عليك ، فتلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هذه الآية فجاءت وما رأت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقالت : إني رأيت قريشا قد علمت أني ابنة سيدها وإنّ صاحبك هجاني فقال أبو بكر : لا ورب الكعبة ورب هذا البيت ما هجاك « 2 » . وروى ابن عباس أنّ أبا سفيان والنضر بن الحارث وأبا جهل وغيرهم كانوا يجالسون النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ويسمعون حديثه فقال النضر يوما : ما أرى ما يقول محمد غير أني أرى شفتيه يتحرّكان بشيء « 3 » . وقال أبو سفيان : إني لا أرى بعض ما يقوله إلا حقا . وقال أبو جهل : هو مجنون . وقال أبو لهب : هو كاهن . وقال حويطب بن عبد العزى : هو شاعر ، فنزلت هذه الآية . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا أراد تلاوة القرآن قرأ قبلها ثلاث آيات وهي في سورة الإسراء :
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً
[ الإسراء ، 46 ] . وفي سورة النحل
أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ
[ النحل ، 108 ] وفي حم الجاثية
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
[ الجاثية ، 23 ] إلى آخر الآية ، فكان اللّه تعالى يحجبه ببركة هذه الآيات عن عيون المشركين .
وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ
أي : المحسن إليك وإليهم
فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ
أي : مع الإعراض عن آلهتهم كأن قلت وأنت تتلو القرآن لا إله إلا اللّه .
تنبيه : في نصب وحده وجهان أحدهما أنه منصوب على الحال وإن كان معرفة لفظا في قوّة
هامش
( 1 ) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 6 / 323 .
( 2 ) أخرجه الحاكم في المستدرك 2 / 393 .
( 3 ) أخرجه القرطبي في تفسيره 6 / 405 .