وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً
[ نوح ، 17 ] . فإن قيل : ما الفائدة في وصف ذلك العلو بالكبير ؟ أجيب :
بأنّ المنافاة بين ذاته وصفاته سبحانه وبين ثبوت الصاحبة والولد والشركاء والأضداد والأنداد منافاة بلغت في القوّة والكمال إلى حيث لا تعقل الزيادة عليها لأنّ المنافاة بين الواجب لذاته وبين الممكن لذاته وبين القديم والمحدث وبين الغني والمحتاج منافاة لا تعقل الزيادة عليها فلهذا السبب وصف اللّه تعالى ذلك العلو بالكبير . وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على الخطاب والباقون بالياء على الغيبة .
ثم استأنف تعالى بيان عظمة هذا التنزيه مقرونا بالوصف بالكمال فقال :
تُسَبِّحُ
أي : توقع التنزيه الأعظم
لَهُ
أي : الإله الأعظم الذي تقدّم وصفه بالجلال والإكرام خاصة
السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ
أي : السبع
وَمَنْ فِيهِنَّ
أي : من ذوي العقول
وَإِنْ
أي : وما وأغرق في النفي فقال :
مِنْ شَيْءٍ
أي : ذي عقل أو غيره
إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
أي : يقول سبحان اللّه العظيم وبحمده ، أو يقول سبحان اللّه وبحمده . وقال ابن عباس : وإنّ من شيء حيّ إلا يسبح بحمده .
وقال قتادة : يعني الحيوانات والناميات . وقال عكرمة : الشجرة تسبح والأسطوانة تسبح وعن المقداد بن عدي : التراب يسبح ما لم يبتل فإذا ابتل ترك التسبيح والورقة تسبح ما دامت على الشجرة فإذا سقطت تركت التسبيح والماء يسبح ما دام جاريا فإذا ركد ترك التسبيح والثوب يسبح ما دام جديدا فإذا وسخ ترك التسبيح . وقال السيوطي : في جواب سؤال عن ذلك :
قد خصصت آية الأسرى بمتصف * وصف الحياة كرطب الزرع والشجر
فيابس مات لا تسبيح منه كذا * وما زال عن موضع كالقطع للحجر
وقال إبراهيم النخعي : وإنّ من شيء جماد وحيّ إلا يسبح بحمده حتى صرير الباب ونقيض السقف ، وقال مجاهد : كل الأشياء تسبح للّه تعالى حيوانا كانت أو جمادا وتسبيحها سبحان اللّه وبحمده يدل على ذلك ما روي عن ابن مسعود كنا نعدّ الآيات بركة وأنتم تعدّونها تخويفا كنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في سفر فقلّ الماء فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « اطلبوا فضلة من ماء فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل فأدخل يده صلّى اللّه عليه وسلّم في الإناء ثم قال : حي على الطهور المبارك والبركة من اللّه فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابعه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يأكل » « 1 » . وعن جابر بن سمرة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنّ بمكة حجرا كان يسلم عليّ ليالي بعثت إني لأعرفه الآن » « 2 » . وعن ابن عمر أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يخطب إلى جذع فلما اتخذ له المنبر تحوّل إليه فحن الجذع فأتاه فمسح يده عليه وفي رواية فنزل فاحتضنه وساره بشيء « 3 » ففي هذه الأحاديث دليل على أنّ الجماد يتكلم وأنه يسبح .
وقال بعض أهل المعاني : تسبيح السماوات والأرض والجمادات والحيوانات سوى العقلاء بلسان الحال حيث تدلّ على الصانع وقدرته ولطيف حكمته فكأنها تنطق بذلك ويصير لها بمنزلة
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في المناقب حديث 3579 ، والدارمي في المقدمة حديث 29 .
( 2 ) أخرجه مسلم في الفضائل حديث 2277 ، والترمذي في المناقب حديث 3624 ، والدارمي في المقدمة حديث 20 .
( 3 ) أخرجه البخاري في المناقب حديث 3583 ، والترمذي في المناقب حديث 3627 ، وابن ماجة في الإقامة حديث 1415 .