تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
قُلْ
يا محمد لكفار مكة
أَ رَأَيْتُمْ
أي : أخبروني
ما أَنْزَلَ
أي : خلق
اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ
وأنه تعالى جعل الرزق منزلا ؛ لأنه مقدر في السماء يحصل بأسباب منها
فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ
أي : من ذلك الرزق
حَراماً وَحَلالًا
وهو مثل ما ذكروه من تحريم السائبة والوصيلة والحام ، ومثل قولهم : هذه أنعام وحرث حجر . ومثل قولهم : هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرّم على أزواجنا . ومثل قولهم : ثمانية أزواج من الضأن اثنين
قُلْ
لهم يا محمد
آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ
في هذا التحريم والتحليل
أَمْ
أي : بل
عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ
أي : تكذبون على اللّه بنسبة ذلك إليه
وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ
أي : يتعمدون
عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
أي : أيّ شيء ظنهم به
يَوْمَ الْقِيامَةِ
أيحسبون أن لا يؤاخذهم ولا يجازيهم على أعمالهم ؟ فهو استفهام بمعنى التوبيخ والتقريع والتهديد والوعيد العظيم لمن يفتري على اللّه الكذب
إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ
بنعم كثيرة لا تحصى منها : إنزال الكتب مفصلا ، فيها ما يرضيه وما يسخطه ، ومنها : إرسال الرسل عليهم الصلاة والسّلام لبيانها بما يحتمله عقول الخلق منها ، ومنها : طول إمهالهم على سوء أفعالهم ، ومنها : إنعامه عليهم بالعقل ، فكان شكره واجبا عليهم
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ
أي : الناس
لا يَشْكُرُونَ
هذه النعم ولا يستعملون العقل في دلائل اللّه تعالى ولا يقبلون دعوة أنبيائه ، ولا ينتفعون باستماع كتب اللّه . وقوله تعالى :
وَما تَكُونُ
خطاب للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم
فِي شَأْنٍ
أي : عمل من الأعمال وجمعه شؤون ، والضمير في قوله تعالى :
وَما تَتْلُوا مِنْهُ
إمّا للشأن ؛ لأنّ تلاوة القرآن شأن من شأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بل هو معظم شأنه ، وإمّا للتنزيل كأنه قيل : وما تتلو من التنزيل
مِنْ قُرْآنٍ
لأنّ كل جزء منه قرآن ، والإضمار قبل الذكر تفخيم له ، وإما لله تعالى ، والمعنى : وما تتلو من اللّه من قرآن نازل عليك ، وقوله تعالى :
وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ
أي : أيّ عمل كان تعميم للخطاب بعد تخصيصه بمن هو رئيسهم وهو النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ولذلك ذكر حيث خص بما فيه فخامة وهو الشأن ، وذكر حيث عمّ بقوله تعالى :
مِنْ عَمَلٍ ،
بما يتناول الجليل والحقير ، وقيل : إنّ الكل داخلون في الخطابين الأوّلين أيضا ؛ لأنه من المعلوم أنه إذا خوطب رئيس القوم كان القوم داخلين في ذلك الخطاب ، كما في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ
[ الطلاق ، 1 ] .
إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً
أي : رقباء نحصي عليكم أعمالكم ؛ لأنّ اللّه تعالى رقيب على كل شيء وعالم بكل شيء إذ لا محدث ولا خالق ولا موجد إلا اللّه تعالى ، فكل ما يدخل في الوجود هنا من أحوال العباد وأعمالهم الظاهرة والباطنة داخل في علمه وشاهد عليه
إِذْ تُفِيضُونَ
أي : اللّه شاهد عليكم حين تدخلون وتخوضون
فِيهِ
أي : ذلك العمل . وقيل : الإفاضة الدفع بكثرة . وقال الزجاج : إذ تنتشرون فيه ، يقال : أفاض القوم في الحديث إذا انتشروا فيه
وَما يَعْزُبُ
أي : يغيب
عَنْ رَبِّكَ
يا محمد
مِنْ مِثْقالِ
أي : وزن
ذَرَّةٍ
وهي النملة الحمراء الصغيرة خفيفة الوزن جدّا . وقيل : المراد بها الهباء وهو الشيء المنبث الذي تراه في البيت في ضوء الشمس . وقرأ الكسائي بكسر الزاي والباقون بالضم ، ومن صلة على القراءتين ، وإنما قيد بقوله تعالى :
فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
تقريبا لعقول العامّة . فإن قيل : لم قدّم ذكر الأرض على السماء ، وقدم ذكر السماء على الأرض في سورة سبأ حيث قال تعالى :
لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 30 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين