تعالى بعد هذه الآية
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ
يعني أنكم لما آمنتم وتركتم الكفر فكلوا مما رزقكم اللّه .
حَلالًا طَيِّباً
وهو الغنيمة واتركوا الخبائث وهي الميتة والدم . ولما أمرهم تعالى بأكل الحلال أمرهم بشكر النعمة بقوله تعالى :
وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
أي :
تطيعون .
تنبيه : رسمت نعمت بالتاء وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالهاء والباقون بالتاء والكسائي يقف بالإمالة .
وتقدّم تفسير قوله تعالى :
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
[ البقرة ، 173 ] في سورة البقرة فلا إفادة في تفسير ذلك . وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة فمن اضطر في الوصل بكسر النون والباقون بالضمّ .
تنبيه : حصر المحرمات في هذه الأشياء الأربعة مذكور أيضا في سورة الأنعام عند قوله تعالى :
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ
[ الأنعام ، 145 ] الآية . وفي سورة المائدة في قوله تعالى :
أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ
[ المائدة ، 1 ] وأجمعوا على أنّ المراد بقوله تعالى :
إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ
هو قوله تعالى في سورة البقرة :
حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ
[ البقرة ، 173 ] وقوله تعالى في المائدة :
وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ
[ المائدة ، 3 ] فهذه الأشياء داخلة في الميتة . ثم قال تعالى :
وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ
[ المائدة ، 3 ] وهو أحد الأشياء الداخلة تحت قوله تعالى :
وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ
[ البقرة ، 173 ] فثبت أنّ هذه السور الأربعة دالة على حصر المحرمات في هذه الأربعة سورتان مكيتان وسورتان مدنيتان ، فإنّ سورة البقرة مدنية وسورة المائدة من آخر ما أنزل اللّه بالمدينة ، فمن أنكر حصر التحريم في هذه الأربعة إلا ما خصه الإجماع والدلائل العقلية القاطعة كان في محل أن يخشى عليه ، لأنّ هذه السورة دلت على أنّ حصر المحرمات في هذه الأربعة كان مشروعا ثابتا في أوّل زمان مكة وآخره ، وأوّل زمان المدينة وأنه تعالى أعاد هذا البيان في هذه السور الأربعة قطعا للأعذار وإزالة للشبهة .
ولما حصر تعالى المحرمات في هذه الأربع بالغ في تأكيد ذلك الحصر وزيف طريقة الكفار وفي الزيادة على هذه الأربعة تارة وفي النقصان عنها أخرى بقوله تعالى :
وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ
لما لم يحله اللّه ولم يحرمه فإنهم كانوا يحرّمون البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وكانوا يقولون :
ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا
[ الأنعام ، 139 ] فقد زادوا في المحرمات وزادوا أيضا في المحللات لأنهم حللوا الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير اللّه فبيّن تعالى أنّ المحرمات هي هذه الأربعة وبين أن الأشياء التي يقولون هذا حلال وهذا حرام كذب وافتراء على اللّه تعالى .
تنبيه : في انتصاب الكذب وجهان ؛ أحدهما : قال الكسائي : ما مصدرية والتقدير ولا تقولوا لأجل وصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام نظيره أن يقال : لا تقولوا لكذا وكذا كذا وكذا . فإن قيل : حمل الآية على هذا يؤدّي إلى التكرار لأنّ قوله تعالى :
لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
عين ذلك ؟ أجيب : بأنّ قوله تعالى :
لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ
ليس فيه بيان أنه كذب على اللّه فأعاده ليحصل فيه هذا البيان الزائد . ونظيره في القرآن كثير ، وهو أنه تعالى يذكر كلاما