هي الجملة والثانية عينها وذاتها فكأنه قيل : يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره كل يقول : نفسي نفسي ، ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها كقولهم : هؤلاء الذين أضلونا وما كنا مشركين .
وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ
صالحة أو غير صالحة
ما عَمِلَتْ
أي : جزاءه من جنسه
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
أي : شيئا .
ولما هدّد تعالى الكفار بالوعيد الشديد في الآخرة هدّدهم أيضا بآفات الدنيا وهي الوقوع في الجوع والخوف بقوله تعالى :
وَضَرَبَ اللَّهُ
أي : المحيط بكل شيء
مَثَلًا
ويبدل منه
قَرْيَةً
هي مكة والمراد أهلها
كانَتْ آمِنَةً
أي : ذات أمن ويأمن بها أهلها في زمن الخوف ، قال تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ
[ العنكبوت ، 67 ] والأمن في مكة كان كذلك ، لأنّ العرب كان يغير بعضهم على بعض دون أهل مكة فإنهم كانوا أهل حرم اللّه والعرب كانوا يحترمونهم ويخصونهم بالتعظيم والتكريم .
مُطْمَئِنَّةً
أي : قارة بأهلها لا يحتاجون فيها إلى نجعة وانتقال ، بسبب زيادة الأمن بكثرة العدد وقوّة المدد وكف اللّه تعالى الناس عنها ووجود ما يحتاج إليه أهلها . فإن قيل : الاطمئنان هو الأمن فيلزم التكرار ؟ أجيب : بأنّ قوله تعالى :
آمِنَةً
إشارة إلى الأمن وقوله تعالى :
مُطْمَئِنَّةً
أي : لا يحتاجون فيها إلى نجعة كما مرّ ، وقيل : أشار تعالى بذلك إلى الصحة لأنّ هواء ذلك البلد كان ملائما لأمزجتهم فلذلك اطمأنوا إليه واستقرّوا .
قالت العقلاء : ثلاثة ليس لها نهاية الأمن والصحة والكفاية .
يَأْتِيها
أي : على سبيل التجدّد والاستمرار
رِزْقُها رَغَداً
أي : واسعا طيبا
مِنْ كُلِّ مَكانٍ
برّ وبحر بتيسير اللّه تعالى . ولما كانت السعة تجر إلى البطر غالبا نبه تعالى على ذلك بقوله تعالى :
فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ
أي : الذي له الكمال كله وأنعم جمع نعمة . يقال الزمخشري : على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع . وقال قطرب : هي جمع نعم والنعم النعمة ، يقال : هذه أيام نعم وطعم فلا تصوموا ، وقيل : جمع نعماء مثل بأساء وأبؤس . فإن قيل : الأنعم جمع قلة فكأنّ تلك القرية كفرت بأنواع قليلة من نعم اللّه فعذبها اللّه تعالى فلم لم يقل تعالى : كفروا بنعم عظيمة فاستوجبوا العذاب ؟ أجيب : بأنّ المقصود التنبيه بالأدنى على الأعلى فإن كفران النعم القليلة لما أوجب العذاب فبكفران النعم الكثيرة أولى وبأنّ اللّه تعالى أنعم عليهم بالنعمة العظيمة وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فكفروا به وبالغوا في إيذائه .
فَأَذاقَهَا اللَّهُ
أي : المحيط بكل شيء
لِباسَ الْجُوعِ
بعد رغد العيش سبع سنين وقطعت العرب عنهم الميرة بأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى جهدوا وأكلوا العظام المحرقة والجيف والكلاب الميتة ، وقيل : إنّ القرية غير مكة لأنها ضربت مثلا لمكة ومثل مكة يكون غير مكة .
وَالْخَوْفِ
بسرايا النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم .
تنبيه : استعير الذوق لإدراك أثر الضرر واللباس لما غشيهم واشتمل عليهم من الجوع والحوف وأوقع الإذاقة عليه بالنظر إلى المستعار له كقول كثير عزة « 1 » :
غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا * غلقت لضحكته رقاب المال
فإنه استعار الرداء للمعروف لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لما يلقى عليه وأضاف إليه
هامش
( 1 ) البيت من الكامل ، وهو لكثير عزة في ديوانه ص 288 ، ولسان العرب ( غمر ) ، ( ضحك ) ، ( ردي ) ، وتهذيب اللغة 8 / 128 ، 14 / 169 ، ومقاييس اللغة 3 / 302 ، وتاج العروس ( غمر ) ( ضحك ) ، ( ردى ) ، وبلا نسبة في المخصص 3 / 3 ، 16 / 32 .