غنيا ، لأنّ المؤمن لما علم أنّ رزقه من عند اللّه تعالى وذلك بتقديره وتدبيره تعالى . وعرف أنّ اللّه تعالى محسن كريم حكيم يضع الأشياء في محلها فكان المؤمن راضيا بقضاء اللّه وبما قدّره له ورزقه إياه ، وعرف أنّ مصلحته في ذلك القدر الذي رزقه فاستراحت نفسه من الكدر والحرص فطاب عيشه بذلك ، وأمّا الكافر والجاهل بهذه الأصول فدائم الحرص على طلب الرزق فيكون أبدا في حزن وتعب وعناء وحرص في الدنيا ولا يناله من الرزق إلا ما قدّر له فظهر بهذا أن عيش المؤمن القنوع أطيب من غيره . وقال السدّي : الحياة الطيبة إنما تحصل في القبر لأنّ المؤمن يستريح بالموت من كدّ الدنيا وتعبها . وقال مجاهد وقتادة : هي الجنة لأنها حياة بلا موت ، وغنى بلا فقر ، وصحة بلا سقم ، وملك بلا هلك ، وسعادة بلا شقاوة . فأثبت بهذا أنّ الحياة الطيبة لا تكون إلا في الجنة ، ولا مانع من أنّ المؤمن الكامل يحصل جميع ذلك ثم إنّ اللّه تعالى ختم الآية بقوله تعالى :
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ
أي : في الدنيا والآخرة
بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
أي : من الطاعة وقد سبق تفسيره .
ولما قال تعالى :
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
أرشد به إلى العمل الذي به تخلص أعماله من الوسواس بقوله تعالى :
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ
أي : أردت قراءته
فَاسْتَعِذْ
أي :
إن شئت جهرا وإن شئت سرّا . قال الشافعي رضي اللّه تعالى عنه : والإسرار أولى في الصلاة . وفي قول يجهر كما يفعل خارج الصلاة .
بِاللَّهِ
أي : سل الذي له الكمال كله أن يعيذك
مِنَ الشَّيْطانِ
أي : المحترق باللعنة
الرَّجِيمِ
أي : المطرود عن الرحمة من أن يصدّك بوساوسه عن اتباعه ويدخل في ذلك جميع المردة من الشياطين لأنّ لهم قدرة على إلقاء الوسوسة في قلوب بني آدم بإقدار اللّه تعالى على ذلك . وقيل : المراد إبليس خاصة والاستعاذة بالله تعالى هي الاعتصام به ، والخطاب للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ويدخل فيه غيره من أمّته وظاهر الآية وجوب الاستعاذة ، وإليه ذهب عطاء سواء كانت القراءة في الصلاة أم في غيرها ، واتفق سائر الفقهاء على أنها سنة في الصلاة وغيرها والصارف لهذا الأمر عن الوجوب أحاديث كثيرة منها القراءة بدون ذكر تعوّذ كحديث البخاري وغيره عن أبي سعيد بن العلاء رضي اللّه تعالى عنه أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ما منعك أن تجيبني ؟ قال :
كنت أصلي . قال ألم يقل اللّه :
اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ
[ الأنفال ، 24 ] ثم قال : لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ »
« 1 » . وفي رواية الموطأ أنه صلّى اللّه عليه وسلّم نادى أبيّا وأنه قال له : « كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة ؟ قال : أبيّ : فقرأت
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
حتى أتيت إلى آخرها » « 2 » ، وظاهر الآية يدل على أنّ الاستعاذة بعد القراءة وإليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين وهو قول أبي هريرة وإليه ذهب مالك وداود الظاهريّ . قالوا : لأنّ قارئ القرآن يستحق ثوابا عظيما وربما حصل الوسواس في قلب القارئ هل حصل له ذلك الثواب أو لا ، فإذا استعاذ بعد القراءة اندفعت تلك الوساوس وبقي الثواب مخلصا والذي ذهب إليه الأكثرون من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة وفقهاء الأمصار أنّ الاستعاذة مقدّمة على القراءة قالوا :
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير القرآن حديث 4474 ، وأبو داود في الصلاة حديث 1458 ، والنسائي في الافتتاح حديث 913 .
( 2 ) أخرجه مالك في النداء حديث 37 .