تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
فتسقط عن مرتبتها لا يليق بنقض عهد قبله وإنما يليق بنقض عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على الإيمان به وبشرائعه . تنبيه : فتزل منصوب بإضمار أن على جواب النهي وزلل القدم مثل يذكر لكل من وقع في بلاء بعد عافية أو سقط في ورطة بعد سلامة أو محنة بعد نعمة .
وَتَذُوقُوا السُّوءَ
أي : العذاب في الدنيا
بِما
أي : بسبب ما
صَدَدْتُمْ
أي : أنفسكم ومنعتم بأيمانكم التي قد أردتم بها الإفساد وخفاء الحق .
عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
أي : دينه وذلك أنّ من نقض العهد سهل على غيره طرق نقض العهد فيستن به
وَلَكُمْ
مع ذلك
عَذابٌ عَظِيمٌ
أي : ثابت غير منفك إذا متم على ذلك . ثم أكد سبحانه وتعالى هذا التحذير بقوله تعالى :
وَلا تَشْتَرُوا
أي : ولا تكلفوا أنفسكم لجاجا وتركا للنظر أن تأخذوا وتستبدلوا .
بِعَهْدِ اللَّهِ
الذي له الكمال كله
ثَمَناً قَلِيلًا
أي : من حطام الدنيا وإن كنتم ترونه كثيرا ثم علل قلته بقوله تعالى :
إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ
أي : الذي له الجلال والإكرام من ثواب الدارين
هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
ولا يعدل عن الخير إلى غيره إلا لجوج ناقص العقل ، ثم شرط علم خيريته لكونهم من ذوي العلم بقوله تعالى :
إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
أي : إن كنتم من أهل العلم والتمييز فتعلمون فضل ما بين العوضين . ثم بين ذلك بقوله تعالى :
ما عِنْدَكُمْ
أي : من متاع الدنيا ولذاتها
يَنْفَدُ
أي : يفنى فصاحبه منغص العيش أشدّ ما يكون به اغتباطا بانقطاعه
وَما عِنْدَ اللَّهِ
أي : الذي له الأمر كله من ثواب الآخرة ونعيم الجنة
باقٍ
أي : دائم . روي عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من أحب دنياه أضرّ بآخرته ، ومن أحب آخرته أضرّ بدنياه ، فآثروا ما يبقى على ما يفنى » « 1 » . وقرأ ابن كثير باقي في الوقف بالياء ، والباقون بغير ياء . وأمّا في الوصل فالجميع بالتنوين .
وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا
على الوفاء بما يرضيه من الأوامر والنواهي في السرّاء والضرّاء .
أَجْرَهُمْ
أي : ثواب صبرهم
بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
أي : بجزاء أحسن من أعمالهم أو يجزيهم على أحسن أعمالهم وذلك لأنّ المؤمن قد يأتي بالمباحات وبالمندوبات وبالواجبات ولا شكّ أنّ الواجبات والمندوبات مما يثاب على فعلها لا على فعل المباحات . وقرأ ابن كثير وعاصم بالنون قبل الجيم ، أي : ولنجزين نحن والباقون بالياء ، أي : وليجزين اللّه . ثم إنه تعالى رغب المؤمنين في الإيمان بكل ما كان من شرائع الإسلام بقوله تعالى :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
إذ لا اعتداد بأعمال الكفار في استحقاق الثواب وإنما المتوقع عليها تخفيف العذاب . فإن قيل : من عمل صالحا يفيد العموم فما فائدة من ذكر أو أنثى ؟ أجيب : بأنه ذكر دفعا للتخصيص بأحد الفريقين . واختلف في قوله تعالى :
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
فقال سعيد بن جبير وعطاء : هي الرزق الحلال . وقال مقاتل : هي العيش في الطاعة . وقال الحسن : هي القناعة لأنّ عيش المؤمن في الدنيا وإن كان فقيرا أطيب من عيش الكافر وإن كان
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 4 / 175 ، و 412 ، والبيهقي في السنن الكبرى 3 / 370 ، والحاكم في المستدرك 4 / 308 ، 319 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 10 / 249 ، والسيوطي في الدر المنثور 3 / 238 ، 6 / 341 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 6146 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 290 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين