تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧
عجيب ضربه لمن يبغي في الأرض ، ويغتر بالدنيا ، ويشتدّ تمسكه بها ، ويقوى إعراضه عن أمر الآخرة ، والتأهب لها ، بقوله تعالى :
إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا
أي : حالها العجيبة في سرعة تقضيها وذهاب نعيمها بعد إقبالها واغترار الناس بها . والمثل قول سائر يشبه فيه حال الثاني بالأوّل
كَماءٍ أَنْزَلْناهُ
وحقق أمره وبينه بقوله تعالى :
مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ
أي : بسببه
نَباتُ الْأَرْضِ
أي : اشتبك بعضه ببعض ، والاختلاط : تداخل الأشياء بعضها في بعض
مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ
من الحبوب والثمار ونحو ذلك
وَ
مما يأكل
الْأَنْعامُ
من الحشيش ونحوه
حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها
أي : حسنها وبهجتها من النبات
وَازَّيَّنَتْ
بإظهار ألوان زهرها من أبيض وأصفر وأحمر وغير ذلك من الزهور ، كالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة من كل لون فاكتستها وتزينت بغيرها من ألوان الزين ، وأصل ازينت تزينت أبدلت التاء زايا وأدغمت في الزاي
وَظَنَّ أَهْلُها
أي : أهل تلك الأرض
أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها
أي : متمكنون من تحصيل جذاذها وحصادها
أَتاها أَمْرُنا
أي : قضاؤنا من البرد والحرّ المفرط أو غيره
لَيْلًا أَوْ نَهاراً
أي : في الليل أو في النهار
فَجَعَلْناها
أي : زرعها
حَصِيداً
أي : كالمحصود بالمناجل . وقوله تعالى :
كَأَنْ
مخففة ، أي : كأنها
لَمْ تَغْنَ
أي : لم تكن
بِالْأَمْسِ
تلك الزروع والأشجار قائمة على ظهر الأرض ، وحذف المضاف من
فَجَعَلْناها
ومن
كَأَنْ لَمْ تَغْنَ
للمبالغة . تنبيه : تشبيه الحياة الدنيا بهذا النبات يحتمل وجوها : الأوّل : أنّ عاقبة هذه الدنيا التي ينفقها المرء في باب الدنيا كعاقبة هذا النبات الذي حين عظم الرجاء في الانتفاع به وقع اليأس منه ؛ لأنّ الغالب أنّ المتمسك بالدنيا إذا وضع قلبه عليها وعظمت رغبته فيها يأتيه الموت ، وهو معنى قوله تعالى :
حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ
[ الأنعام ، 44 ] أي : خاسرون الدنيا ، وقد أنفقوا أعمارهم فيها ، وخاسرون من الآخرة مع أنهم توجهوا إليها . الثاني : أنه تعالى بيّن أنه كما لم يحصل لذلك الزرع عاقبة محمودة فكذلك المغتر بالدنيا المحب لها لا يحصل له عاقبة تحمد ، مع أنّ المنافع التي تحصل فيها مخلوطة بالمضار والمتاعب ، فإنّ سعادة الدنيا غير خالصة من الآفات ، بل هي ممزوجة بالبليات ، والاستقراء يدل عليه ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق . فقيل : يا رسول اللّه ، وما هو ؟ قال : سرور يوم بتمامه » « 1 » . الثالث : أن مالك ذلك البستان لما عمره بإتعاب النفس ، وكد الروح ، وعلق قلبه على الانتفاع به ، فإذا حصل ذلك السبب المهلك صار العناء الشديد الذي تحمّله في الماضي سببا لحصول الشقاء الشديد له في المستقبل ، وهو ما يحصل له في قلبه من الحسرات ، فكذا حال من وضع قلبه على الدنيا ، وأتعب نفسه في تحصيلها ، فإذا مات وفاته كل ما فات صار العناء الذي تحمله في تحصيل أسباب الدنيا سببا لحصول الشقاء العظيم له في الآخرة .
كَذلِكَ
أي : مثل هذا التفصيل الذي ذكرناه
نُفَصِّلُ الْآياتِ
أي : نبينها
لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
لأنهم المنتفعون بها ، ولما نفّر تعالى الغافلين عن الميل إلى الدنيا بالمثل السابق رغبّهم
هامش
( 1 ) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي .