تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 706

مساهمون:

ص٧٠٦
شِئْتَ مِنْهُمْ
وأما المنافقون فكانوا يستأذنون في التخلف من غير عذر فعيرهم اللّه تعالى بهذا الاستئذان لكونه بغير عذر .
وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ
إلى الغزو معك
لَأَعَدُّوا لَهُ
أي : قبل حلوله
عُدَّةً
أي : قوّة وأهبة من المتاع والسلاح والكراع بحيث يكونون كالحاضرين في صلب الحرب الواقفين في الصف قد استعدوا لها بجميع عدتها ، ولما كان قوله تعالى :
وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ
يعطي معنى نفي خروجهم واستعدادهم للغزو أتى تعالى بحرف الاستدراك فقال تعالى :
وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ
أي : لم يرض خروجهم معك إلى الغزو
فَثَبَّطَهُمْ
أي : حبسهم بالجبن والكسل
وَقِيلَ
لهم
اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ
أي : مع النساء والصبيان والمرضى وأهل الأعذار ومعنى ( قيل لهم ) أي : قدر اللّه تعالى عليهم ذلك بأن ألقى في قلوبهم القعود لما كره اللّه انبعاثهم مع المؤمنين ، وقيل القائل هو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما استأذنوه في القعود فقال لهم : اقعدوا مع القاعدين . فإن قيل : خروج المنافقين مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إما أن يكون فيه مصلحة أو مفسدة فإن كان فيه مصلحة فلم قال تعالى :
وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ
وإن فيه مفسدة فلم قال اللّه تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
في ترك الخروج ؟ أجيب : بأن خروجهم فيه مفسدة عظيمة بدليل قوله تعالى :
لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ
أي : معكم
ما زادُوكُمْ
بخروجهم
إِلَّا خَبالًا
أي : فسادا وشرا بتخذيل المؤمنين وتقدم الكلام على قوله :
لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ .
تنبيه : لا يصح أن يكون فيه الاستثناء منقطعا لأنّ الاستثناء المنقطع يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه كقوله :
ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا
والمستثنى منه في هذا الكلام غير مذكور وإذا لم يذكر ووقع الاستثناء من أعم العام كأنه قيل : ما زادوكم شيئا إلا خبالا
وَلَأَوْضَعُوا
أي : أسرعوا
خِلالَكُمْ
أي : بينكم فيما يخل بكم بالمشي بالنميمة
يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ
أي : يطلبون منكم ما تفتتنون به وذلك أنهم يقولون للمؤمنين : لقد جمعوا لكم كذا وكذا ولا طاقة لكم بهم وإنكم ستهزمون منهم وسيظهرون عليكم ، ونحو ذلك من الأحاديث الكاذبة التي تجبنهم
وَفِيكُمْ
أي : والحال أن فيكم
سَمَّاعُونَ لَهُمْ
أي : عيون لهم يؤدون لهم أخباركم وما يسمعون منكم وهم الجواسيس أو مطيعون لهم يسمعون كلام المنافقين ويطيعونهم وذلك أنهم يلقون إليهم أنواعا من الشبهات الموجبة لضعف القلب فيقبلونها منهم . فإن قيل : كيف يكون في المؤمنين الخالصين من يطيع المنافقين ؟ أجيب : بأنهم ربما قالوا قولا أثر في قلوب ضعفة المؤمنين في بعض الأحوال وقوله تعالى :
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ
وعيد وتهديد للمنافقين الذين يلقون الفتن والشبهات بين المؤمنين .

[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 48 إلى 61 ]

لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ ( 48 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ ( 49 ) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ ( 50 ) قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاَّ ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 51 ) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ( 52 ) قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ ( 53 ) وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارِهُونَ ( 54 ) فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ ( 55 ) وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ( 56 ) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ( 57 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ ( 58 ) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ ( 59 ) إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 60 ) وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 61 )
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 706 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين