تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 704

مساهمون:

ص٧٠٤
كبيرا قد سقط حاجباه من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو فقلت : يا عم لقد أعذر اللّه إليك ، فرفع حاجبيه وقال : استنفرنا اللّه خفافا وثقالا ألا إنه من يحبه اللّه يبتليه ، وعن الزهري : خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل : إنك عليل صاحب مرض فقال : استنفرنا اللّه الخفيف والثقيل فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع . وعن ابن أمّ مكتوم أنه قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أعليّ أن أنفر قال : « ما أنت إلا خفيف أو ثقيل « 1 » » فرجع إلى أهله ولبس سلاحه ووقف بين يديه صلّى اللّه عليه وسلّم فنزل قوله تعالى :
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ
[ النور ، 61 ] أي : فهي منسوخة بذلك وقال ابن عباس : نسخت بقوله تعالى :
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى
[ التوبة ، 91 ] الآية ، وقال السدي : لما نزلت اشتدّ شأنها على المسلمين فنسخها اللّه تعالى وأنزل
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى
وقال عطاء الخراساني : منسوخة بقوله تعالى :
وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً
[ التوبة ، 122 ] وقوله تعالى :
وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أمر إيجاب للجهاد أي : ما أمكن لكم بهما كليهما أو أحدهما على حسب الحال والحاجة .
ذلِكُمْ
أي : هذا الأمر العظيم
خَيْرٌ لَكُمْ
أي : خاص بكم ويجوز أن يكون أفعل تفضيل ، أي : عبادة المجاهد بالجهاد خير من عبادة القاعد بغيره كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم لمن سأله هل يمكن بلوغ درجة المجاهد فقال : « هل تستطيع أن تقوم فلا تفتر وتصوم فلا تفطر » « 2 » ثم ختم تعالى الآية بقوله تعالى :
إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
أي : ما حصل من الخيرات في الآخرة على الجهاد لا يدرك إلا بالتأمل ولا يعرفه إلا المؤمن الذي عرف بالدليل أن القول بالقيامة حق وأن القول بالثواب والعقاب صدق . ونزل في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك :
لَوْ كانَ
ما تدعوهم إليه
عَرَضاً
أي : متاعا من الدينا ، يقال : الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر
قَرِيباً
أي : سهل المأخذ وقوله تعالى :
وَسَفَراً قاصِداً
أي : وسطا فحذف اسم كان وهو ما قدرته ، قال الزجاج : لدلالة ما تقدم عليه وإنما سمي السفر قاصدا لأن المتوسط بين الإفراط والتفريط يقال له : مقتصد قال تعالى :
فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ
[ فاطر ، 32 ] لأن المتوسط بين الكثرة والقلة يقصده كل أحد وقوله تعالى :
قاصِداً
أي : ذا قصد كقولهم : لابن وتأمر
لَاتَّبَعُوكَ
أي : وافقوك طلبا للغنيمة
وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ
أي : المسافة التي تقطع بمشقة
وَسَيَحْلِفُونَ
أي : المتخلفون
بِاللَّهِ
إذا رجعت من تبوك معتذرين
لَوِ اسْتَطَعْنا
أي : لو كان لنا استطاعة بالبدن أو العدة
لَخَرَجْنا
أي : في هذه الغزاة
مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ
أي : بسبب هذه الأيمان الكاذبة كما قال تعالى :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
في ذلك لأنهم كانوا مستطيعين الخروج .
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
أي : عفا اللّه تعالى عنك يا محمد ما كان منك في ذلك لهؤلاء المنافقين الذين استأذنوك في ترك الخروج معك إلى تبوك ، واختلفوا هل في ذلك معاتبة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أم لا ؟ فقال عمرو بن ميمون : اثنان فعلهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يؤمر بهما إذنه للمنافقين وأخذه الفداء من أسارى بدر فعاتبه اللّه تعالى كما تسمعون ، وقال سفيان بن عيينة : انظروا إلى هذا اللطف بدأ اللّه تعالى بالعفو قبل أن يعيره ، وقال القاضي عياض في الشفاء : إن هذا أمر لم يتقدّم
هامش
( 1 ) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي . ( 2 ) الحديث لم أجده .