تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 668

مساهمون:

ص٦٦٨
واللّه لم يطلع عليه أحد إلا اللّه ولقد دفعته إليها في سواد الليل ولقد كنت مرتابا في أمرك فأما إذ أخبرتني بذلك فلا ريب ، قال العباس : فأبدلني اللّه خيرا من ذلك لي الآن عشرون عبدا وإن أدناهم ليضرب في عشرين ألفا وأعطاني زمزم وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة ، وأنا أنتظر المغفرة من ربي » . وروي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قدم عليه مال البحرين ثمانون ألفا فتوضأ لصلاة الظهر وما صلى حتى فرقه ، وأمره العباس أن يأخذ منه فأخذ منه ما قدر على حمله وكان يقول : هذا خير مما أخذ مني وأنا أرجو المغفرة من ربكم يعني الدعوة بقوله تعالى :
وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
واختلف المفسرون في أنّ الآية نزلت في العباس خاصة أو في جملة الأسارى قال بعضهم : إنها نزلت في الكل قال الرازي : وهذا أولى ؛ لأنّ ظاهر الآية يقتضي العموم من ستة أوجه : أحدها : قوله تعالى :
قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ .
وثانيها : قوله تعالى :
مِنَ الْأَسْرى .
وثالثها : قوله تعالى :
إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً .
ورابعها : قوله تعالى :
يُؤْتِكُمْ خَيْراً .
وخامسها : قوله تعالى :
مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ .
وسادسها : قوله تعالى :
وَيَغْفِرْ لَكُمْ
فدلت هذه الألفاظ الستة على العموم فما الموجب للتخصيص أقصى ما في الباب أن يقال : سبب نزول هذه الآية هو العباس إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
وَإِنْ يُرِيدُوا
أي : الأسارى
خِيانَتَكَ
أي : بما أظهروا من القول
فَقَدْ خانُوا اللَّهَ
بالكفر ونقض ميثاقه المأخوذ بالعهد
مِنْ قَبْلُ
أي : قبل بدر
فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ
ببدر قتلا وأسرا فليتوقعوا مثل ذلك إن عادوا
وَاللَّهُ عَلِيمٌ
بما في بواطنهم وضمائرهم من إيمان وتصديق وخيانة
حَكِيمٌ
أي : بالغ الحكمة فهو يتقن كل ما يريده فهو يوهن كيدهم ويتقن ما يقابلهم به فيلحقهم لا محالة وكذا فعل تعالى في ابن عزة الجمحي ، فإنه سأل النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في المنّ عليه بغير شيء لفقره وعياله وعاهده على أنه لا يظاهر عليه أحدا ، ثم خان فظفر به في غزوة حمراء الأسد عقب يوم أحد أسيرا ، فاعتذر له وسأله العفو عنه فقال : « لا ، لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرّتين » وأمر به فضربت عنقه « 1 » .
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
أي : باللّه ورسوله
وَهاجَرُوا
أي : وأوقعوا الهجرة من بلاد الشرك وهم المهاجرون الأوّلون هجروا أوطانهم وعشائرهم وأحبابهم حبا للّه تعالى ولرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم
وَجاهَدُوا
أي : وأوقعوا الجهاد وهو بذل الجهد في توهين الكفر
بِأَمْوالِهِمْ
وكانوا في غاية العزة في أوّل الأمر
وَأَنْفُسِهِمْ
بإقدامهم على القتال مع شدّة الأعداء وكثرتهم وقدم المال ؛ لأنه سبب قيام النفس أي : بإنفاقهم لها في الجهاد وتضييع بعضها بالهجرة من الديار ، والنخيل وغيرها ، وأخر قوله تعالى :
فِي سَبِيلِ اللَّهِ
لذلك ، وفي سببية أي : جاهدوا بسببه حتى لا يصدّ عنه صاد ، ويسهل المرور فيه من غير قاطع
وَالَّذِينَ آوَوْا
أي : من هاجر إليهم من النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ، فأسكنوهم
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود حديث 4862 ، وابن ماجة حديث 3982 ، 3983 ، وأحمد في المسند 2 / 115 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 668 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين