تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 666

مساهمون:

ص٦٦٦
روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم أتي يوم بدر بسبعين أسيرا فيهم العباس عمّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وعقيل بن أبي طالب فاستشار فيهم ، فقال أبو بكر رضي اللّه عنه : قومك وأهلك استبقهم لعل اللّه أن يتوب عليهم ، وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك ، وقال عمر رضي اللّه تعالى عنه : كذبوك وأخرجوك فقدمهم ، واضرب أعناقهم ، فإنّ هؤلاء أئمة الكفر ، وإنّ اللّه أغناك عن الفداء ، مكّن عليا من عقيل ، وحمزة من العباس ، ومكني من فلان - لنسيب له - فلنضرب أعناقهم ، وقال عبد اللّه بن رواحة : يا رسول اللّه انظر واديا كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم أضرم عليهم نارا ، فقال له العباس : قطعت رحمك ، فسكت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولم يجبهم ثم دخل ، فقال ناس : يأخذ بقول أبي بكر ، وقال ناس : يأخذ بقول عمر ، وقال ناس : يأخذ بقول ابن رواحة ، ثم خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « إنّ اللّه لين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن ، وإن اللّه ليشدّد قلوب رجال حتى تكون أشدّ من الحجارة وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال :
فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
[ إبراهيم ، 36 ] ومثل عيسى في قوله :
وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
[ المائدة ، 118 ] ومثلك يا عمر مثل نوح قال :
نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً
[ نوح ، 26 ] ومثل موسى حيث قال :
رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ
[ يونس ، 88 ] ومال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى قول أبي بكر . روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لعمر : « يا أبا حفص ، وكان ذلك أوّل ما كناه ، أتأمرني أن أقتل العباس ؟ » فجعل عمر يقول : ويل لعمر ثلكته أمه ، ثم قال لأصحابه : أنتم اليوم عالة ولا يفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق ، فقال ابن مسعود : إلا سهيل ابن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام ، فسكت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم واشتدّ خوفي فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع علي الحجارة من السماء من ذلك اليوم حتى قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إلا سهيل ابن بيضاء » ، ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم للقوم : « إن شئتم قتلتموهم ، وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدّتهم » فقالوا : بل نأخذ الفداء فاستشهدوا بأحد وكان فداء الأسارى عشرين أوقية ، والأوقية أربعون درهما ، فيكون مجموع ذلك ألفا وستمائة درهم ، وقال قتادة : كان الفداء يومئذ لكل أسير أربعة آلاف . قال عمر رضي اللّه تعالى عنه : فلما كان من الغد جئت ، فإذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأبو بكر رضي اللّه تعالى عنه يبكيان قلت : يا رسول اللّه أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك ، فإن وجدت بكاء بكيت ، وإن لم أجد بكاء تباكيت فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء ولقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة » لشجرة قريبة منه
تُرِيدُونَ
أيها المؤمنون
عَرَضَ الدُّنْيا
بأخذ فداء من المشركين ، وإنما سمي منافع الدنيا عرضا ، لأنها لا ثبات لها ولا دوام ، فكأنها تعرض ثم تزول بخلاف منافع الآخرة
وَاللَّهُ يُرِيدُ
لكم
الْآخِرَةَ
أي : ثوابها بقهركم المشركين ونصركم الدين
وَاللَّهُ عَزِيزٌ
لا يقهر ولا يغلب
حَكِيمٌ
أي : لا يصدر منه فعل إلا وهو في غاية الإتقان ، قال ابن عباس : كان هذا يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل ، فلما كثروا واشتدّ سلطانهم ، أنزل اللّه تعالى في الأسرى
فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً
[ محمد ، 4 ] فجعل اللّه تعالى نبيه والمؤمنين في أمر الأسرى بالخيار إن شاءوا قتلوهم ، وإن شاءوا فادوهم ، وإن شاءوا أعتقوهم أي : فهذه الآية نسخت تلك ، قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : كانت الغنائم حراما على الأنبياء والأمم ، وكانوا إذا أصابوا مغنما جعلوه للقربان وكانت تنزل نار من السماء فتأكله فلما كان يوم بدر أسرع المؤمنون وأخذوا الفداء فأنزل اللّه تعالى .
لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ
أي : لولا قضاء اللّه سبق في اللوح المحفوظ ، بأنه يحمل لكم