تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 626

مساهمون:

ص٦٢٦
أجيب : بأن المقصود من هذه الآية بيان أنّ الإنسان أفضل وأحسن حالا من الصنم ؛ لأنّ الإنسان له رجل ماشية ويد باطشة وعين باصرة وأذن سامعة ، والصنم رجله غير ماشية ويده غير باطشة وعينه غير مبصرة وأذنه غير سامعة ، فكان الإنسان أفضل وأكمل حالا من الصنم ، فاشتغال الأفضل الأكمل بحال الأخس الأدون جهل ، فهذا هو المقصود من ذكر هذا الكلام لا ما ذهب إليه وهم هؤلاء الجهال
قُلِ ادْعُوا
أي : قل يا محمد لهؤلاء المشركين : ادعوا
شُرَكاءَكُمْ
أي : إلى هلاكي
ثُمَّ كِيدُونِ
قال الحسن : كانوا يخوّفونه صلّى اللّه عليه وسلّم بآلهتهم فقال اللّه تعالى له : قل لهم ادعوا شركاءكم ثم كيدون أي : ليظهر لكم أنها لا قدرة لها على إيصال المضارّ إليّ بوجه . وقرأ أبو عمرو بإثبات الياء وصلا ووقفا ، وهشام له فيها وجهان : الإثبات والحذف ، وصلا ووقفا ، والباقون يحذفونها وصلا ووقفا . ثم تهكم عليهم صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله :
فَلا تُنْظِرُونِ
أي : فأعجلوا في كيدي أنتم وشركاؤكم ، فإنكم لا تقدرون على ذلك ، وعلل عدم قدرتهم على ذلك بقوله :
إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ
الذي يتولى حفظي ونصري هو اللّه
الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ
المشتمل على هذه العلوم العظيمة النافعة في الدين وهو القرآن
وَهُوَ
أي : اللّه سبحانه
يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ
أي : بنصره وحفظه ، فلا يضرهم عداوة من عاداهم ، قال ابن عباس : يريد بالصالحين الذين لا يعدلون باللّه شيئا ولا يعصونه ، فمن عادته تعالى أن يتولى الصالحين من عباده فضلا عن أنبيائه وفي هذا مدح للصالحين ، وأنّ من تولاه اللّه تعالى بحفظه لا يضره شيء ، وعن عمر بن عبد العزيز أنه ما كان يدخر لأولاده شيئا ، فقيل له فيه ، فقال : ولدي إما أن يكون من الصالحين أو من المجرمين ، فإن كان من الصالحين فوليه هو اللّه تعالى ، ومن كان اللّه تعالى له وليا فلا حاجة له إلى مالي ، وإن كان من المجرمين فقد قال اللّه تعالى :
فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ
ومن رده اللّه تعالى لم أكن مشتغلا بمهماته
وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ
أي : اللّه
لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ
أي : فكيف أبالي بهم ؟ فإن قيل : هذه الأشياء قد صارت مذكورة في الآيات المتقدّمة فما الفائدة في تكريرها ؟ أجيب : بأنّ الأوّل مذكور على جهة التقريع ، وهذا مذكور على جهة الفرق بين من تجوز له العبادة وبين من لا تجوز كأنه قيل : الإله المعبود يجب أن يكون بحيث يتولى الصالحين ، وهذه الأصنام ليست كذلك ، فلا تكون صالحة للإلهية
وَإِنْ تَدْعُوهُمْ
أي : الأصنام
إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا
دعاءكم
وَتَراهُمْ
يا محمد
يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ
أي : يقابلونك كالناظر
وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
لأنهم صوّروا بصورة من ينظر إلى من يواجهه ، وقال الحسن : المراد بهذا المشركون ، ومعناه إن تدعوا أيها المؤمنون المشركين إلى الهدى لا يسمعوا دعاءكم ؛ لأنّ آذانهم قد صمت عن سماع الحق وتراهم ينظرون إليك يا محمد وهم لا يبصرون أي : ببصائر قلوبهم . ولما بيّن تعالى أن اللّه هو الذي يتولاه ، وإنّ الأصنام وعابديها لا يقدرون على الإيذاء والإضرار بين ما هو المنهج القويم والصراط المستقيم في معاملة الناس بقوله تعالى :
خُذِ الْعَفْوَ
أي : اقبل الميسور من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تجسّس وذلك مثل قبول الاعتذار ، ويدخل في ذلك ترك التشديد في كل ما يتعلق بالحقوق المالية ، ويدخل فيه أيضا التخلق مع الناس بالخلق الطيب وترك الغلظة والفظاظة ، قال تعالى :
كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ
[ آل عمران ،