تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 469

مساهمون:

ص٤٦٩
تسأله الأمم من قبلكم
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
بكمال قدرته تعالى وصحة نبوّتي أو صدقتكم في ادعائكم الإيمان فنهاهم عن اقتراح الآيات بعد الإيمان .
قالُوا نُرِيدُ
أي : بسؤالنا من أجل
أَنْ نَأْكُلَ مِنْها
تبرّكا لا أكل حاجة وقولهم :
وَتَطْمَئِنَّ
أي : تسكن
قُلُوبُنا
بانضمام علم المشاهدة إلى علم الاستدلال بكمال قدرته بيان لما دعاهم إلى السؤال وتمهيد عذرهم وقولهم :
وَنَعْلَمَ
أي : نزداد علما
أَنْ
مخففة أي : إنك
قَدْ صَدَقْتَنا
في ادعاء النبوّة وإنّ اللّه يجيب دعوتنا ، وقيل : إنّ عيسى عليه السّلام أمرهم أن يصوموا ثلاثين يوما فإذا أفطروا لا يسألون اللّه شيئا إلا أعطاهم ففعلوا وسألوا المائدة وقالوا : ( ونعلم أن قد صدقتنا ) في قولك إنا إذا صمنا ثلاثين يوما لا نسأل اللّه تعالى شيئا إلا أعطانا
وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ
إذا استشهدتنا أو من الشاهدين للعين دون السامعين للخبر .
قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
لمّا رأى أنّ لهم غرضا صحيحا في ذلك وأنهم لا يقلعون عنه فأراد إلزامهم الحجة بكمالها
اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً
وحقّق موضع الإنزال بقوله :
مِنَ السَّماءِ تَكُونُ
هي أو يوم نزولها
لَنا عِيداً
نعظمه ونشرفه وقال سفيان : نصلي فيه . وروي أنها نزلت يوم الأحد فلذلك اتخذه النصارى عيدا ، وقيل : إنّ عيسى عليه السّلام اغتسل ولبس المسح وصلى ركعتين وطأطأ رأسه وغض بصره وبكى ثم قال : اللهمّ ربنا إلخ . . وقيل : العيد السرور العائد ولذلك سمي يوم العيد عيدا وقوله :
لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا
بدل من ( لنا ) بإعادة العامل أي : عيدا لأهل زماننا ولمن جاء بعدنا وقال ابن عباس : يأكل منها آخر الناس كما أكل أوّلهم وقوله :
وَآيَةً
عطف على عيدا وقوله :
مِنْكَ
صفة لها أي آية كائنة منك دالّة على كمال قدرتك وصحة نبوّتي
وَارْزُقْنا
المائدة والشكر عليها
وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
أي : من يرزق ؛ لأنه تعالى خالق الرزق ومعطيه بلا غرض .
قالَ اللَّهُ
تبارك وتعالى مجيبا لعيسى عليه السّلام
إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ
أي : المائدة . وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بفتح النون وتشديد الزاي والباقون بسكون النون وتخفيف الزاي
فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ
أي : بعد نزولها
مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً
أي : تعذيبا أو مفعولا به على السعة والضمير في
لا أُعَذِّبُهُ
للمصدر ولو أريد بالعذاب ما يعذب به لم يكن بد من الباء
أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ
أي : عالمي زمانهم أو العالمين مطلقا فإنهم مسخوا قردة وخنازير ولم يعذّب بمثل ذلك غيرهم ، قال عبد اللّه بن عمران : أشد الناس عذابا يوم القيامة المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وقوم فرعون . واختلف العلماء هل نزلت المائدة أو لا ؟ فقال مجاهد والحسن : لم تنزل فإنّ اللّه تعالى لما أوعدهم على كفرهم بعد نزول المائدة خافوا أن يكفر بعضهم فاستغفروا وقالوا : لا نريدها فلم تنزل ، وقوله تعالى :
إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ
أي : إن سألتم والصحيح الذي عليه الأكثرون أنها نزلت لقوله تعالى :
إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ
ولتواتر الأخبار في ذلك عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، واختلفوا في صفتها فقال عطاء بن أبي رباح عن سلمان الفارسيّ : لما سأل الحواريون المائدة لبس عيسى عليه السّلام مسحا وبكى وقال :
اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً
الآية فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة من فوقها وغمامة من تحتها وهم ينظرون إليها وهي منقضة حتى سقطت بين أيديهم ، فبكى عيسى عليه السّلام وقال : اللهمّ اجعلني من الشاكرين اللهمّ اجعلها رحمة ولا تجعلها عقوبة ، فقام