تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠
وروي أنّ آدم صلوات اللّه وسلامه عليه مكث بعد قتله مائة سنة لا يضحك وأنه لما أتى من مكة إلى الهند رثاه بشعر وهو « 1 » :
تغيرت البلاد ومن عليها * فوجه الأرض مغبرّ قبيح
تغير كل ذي طعم ولون * وقل بشاشة الوجه المليح
وعن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه قال : من قال إنّ آدم قال شعرا فقد كذب إنّ محمدا والأنبياء كلهم عليهم الصلاة والسّلام في النهي عن الشعر سواء . وروي أنه رثاه فلم يزل ينتقل حتى وصل إلى يعرب بن قحطان وكان يقول الشعر فنظر إلى المرثية فإذا هي سجع فقال : إنّ هذا يقوم منه شعر فرد المقدّم إلى المؤخر والمؤخر إلى المقدّم فوزنه شعرا وزيد فيه أبيات منها :
أرى طول الحياة عليّ غما * فهل أنا من حياتي مستريح
وما لي لا أجود بسكب دمع * وهابيل تضمنه الضريح
فلما مضى من عمر آدم مائة وثلاثون سنة وذلك بعد قتل هابيل بخمسين سنة ولدت له حواء شيثا وتفسيره هبة اللّه أي : إنه خلف اللّه من هابيل علّمه اللّه ساعات الليل والنهار وأعلمه اللّه عبادة الخلق في كل ساعة منها وأنزل عليه خمسين صحيفة وصار وصي آدم وولي عهده . وأمّا قابيل فقيل له : اذهب طريدا شريدا فزعا مرعوبا لا يأمن من يراه ، فأخذ بيد أخته أقليما وهرب بها إلى عدن من أرض اليمن فأتاه إبليس لعنه اللّه تعالى وقال له : إنما أكلت النار قربان أخيك لأنه كان يعبد النار فانصب أنت نارا تكون لك ولعقبك فبنى بيت النار فهو أوّل من عبد النار ، قال مجاهد : واتخذ أولاد قابيل آلات اللهو من اليراع والطبول والمزامير والعيدان والطنابير وانهمكوا في اللهو وشرب الخمر وعبادة النار والزنا والفواحش حتى أغرقهم اللّه تعالى بالطوفان أيام نوح عليه السّلام ، وبقي نسل شيث عليه السّلام ، قال البقاعي في تفسيره : واللّه أعلم بما يروى من ذلك ولا يعتمد على مثل هذه الأحاديث ، وقد أحسن الطبري بقوله : أخبر اللّه تعالى بقتله ولا خبر يقطع العذر بصفة قتله على ما ذكرنا منه في مثله ولا فائدة في طلب الصحيح منه في الدين اه . وروي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأوّل كفل من دمها لأنه أوّل من سنّ القتل » « 2 » .
مِنْ أَجْلِ ذلِكَ
أي : الذي فعله قابيل
كَتَبْنا
أي : قضينا
عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ
في التوراة لأنهم كانوا أشدّ الناس جراءة على القتل ولذلك كانوا يقتلون الأنبياء
أَنَّهُ
أي : الشأن
مَنْ قَتَلَ نَفْساً
أي : من بني آدم
بِغَيْرِ نَفْسٍ
أي : بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص
أَوْ
قتلها بغير
فَسادٍ
أتاه
فِي الْأَرْضِ
كالشرك والزنا بعد الإحصان وقطع الطريق وكل ما يبيح إراقة الدم
فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً
أي : من حيث هتك حرمة الدماء وسنّ القتل وجراءة الناس عليه أو من حيث إن قتل الواحد وقتل الجميع سواء في استحلال غضب اللّه والعذاب العظيم .
هامش
( 1 ) الأبيات من الوافر ، وهي لآدم عليه السّلام في خزانة الأدب 11 / 377 ، والدرر 6 / 214 ، وبلا نسبة في الإنصاف 2 / 662 ، وهمع الهوامع 2 / 156 . ( 2 ) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء حديث 3336 ، ومسلم في القسامة حديث 1677 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 430 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين