تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 398

مساهمون:

ص٣٩٨
عنهم رفعا لعيسى عليه الصلاة والسّلام عما كانوا يذكرونه به اه . قال اللّه تعالى تكذيبا لهم في قتله
وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ
أي : المقتول والمصلوب . روى النسائي عن ابن عباس : « أنّ رهطا من اليهود سبوه وسبوا أمّه فدعا عليهم فمسخهم اللّه قردة وخنازير فاجتمعت اليهود على قتله فأخبره اللّه تعالى بأنه يرفعه إلى السماء ويطهره من صحبة اليهود فقال لأصحابه : أيكم يرضى أن يلقى اللّه عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة ؟ فقال رجل منهم : أنا فألقى اللّه عليه شبهه فقتل وصلب » « 1 » . وقيل : كان رجلا ينافق عيسى أي : يظهر له الإسلام ويخفي الكفر فلما أرادوا قتله قال : أنا أدلكم عليه فدخل في بيت عيسى فرفع عيسى عليه الصلاة والسّلام ، وألقى اللّه شبهه على المنافق فدخلوا عليه فقتلوه وصلبوه وهم يظنون أنه عيسى . وقيل : إنهم حبسوا عيسى عليه الصلاة والسّلام في بيت وجعلوا عليه رقيبا فألقى اللّه شبه عيسى على الرقيب فقتلوه ،
وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ
أي : في شأن عيسى ، فإنه لما وقعت تلك الواقعة اختلف الناس ، فقال بعض اليهود : إنه كان كاذبا فقتلناه حقا ، وتردد آخرون ، وقال بعضهم : إن كان هذا عيسى ، فأين صاحبنا ؟ وقال بعضهم : الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا ، وكان اللّه ألقى شبه وجه عيسى عليه ولم يلق على جسده ، وقال : من سمع من عيسى إنّ اللّه يرفعني إلى السماء إنه رفعه إلى السماء : وقال قوم : صلب الناسوت أي : الإنسانية وصعد اللاهوت أي : الألوهية
لَفِي شَكٍّ مِنْهُ
أي : من قتله
ما لَهُمْ بِهِ
أي : بقتله
مِنْ عِلْمٍ
وقوله تعالى :
إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ
استثناء منقطع أي : لكن يتبعون فيه الظنّ الذي تخيلوه . فإن قيل : قد وصفوا بالشك والشك أن لا يترجح أحد الجائزين ثم وصفوا بالظنّ والظنّ أن يترجح أحدهما ، فكيف يكونون شاكين ظانين ؟ أجيب : بأنّ الشك كما يطلق على ما لا يترجح أحد طرفيه يطلق على مطلق التردّد وعلى ما يقابل العلم فيشمل الاعتقاد
وَما قَتَلُوهُ
أي : انتفى قتلهم له انتفاء
يَقِيناً
أي : انتفاؤه على سبيل القطع ويجوز أن يكون حالا من واو قتلوه أي : ما فعلوا القتل متيقنين أنه عيسى عليه الصلاة والسّلام بل فعلوه شاكين ، فيه والحق إنهم لم يقتلوا إلا الرجل الذي ألقى عليه شبهه . قال البقاعي : والوجه الأوّل أولى لقوله تعالى :
بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ
أي : إلى مكان لا يصل إليه حكم آدمي ، وعن وهب : إنه أوحي إليه وهو ابن ثلاثين سنة ورفع وهو ابن ثلاث وثلاثين ، فكانت رسالته ثلاث سنين
وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً
أي : في ملكه لا يغلب عما يريد
حَكِيماً
في صنعه لا يطمع أحد في نقص شيء منه .
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ
أي : وما من أهل الكتاب أحد
إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ
أي : بعيسى عليه الصلاة والسّلام هذا قول أكثر المفسرين وأهل العلم
قَبْلَ مَوْتِهِ
اختلف في عود هذا الضمير ، فقال عكرمة ومجاهد والضحاك : يعود للكتابي أي : إنّ الكتابي يؤمن بعيسى حين يعاين ملائكة الموت فلا ينفعه إيمانه سواء احترق أو غرق أو تردى أو سقط عليه جدار أو أكله سبع أو مات فجأة ، فقيل لابن عباس : أرأيت من خرّ من فوق بيت ؟ فقال : يتكلم به في الهوي ، فقيل : أرأيت إن ضرب عنق أحدهم ؟ قال : يتلجلج بها لسانه ، وذهب قوم إلى عود الضمير إلى عيسى أي : وما من
هامش
( 1 ) أخرجه النسائي في السنن الكبرى حديث 11590 .