تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 361

مساهمون:

ص٣٦١
بالرأي
وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا
أي : تأويلكم بلا رد أو عاقبة .
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا
أي : أوجدوا هذه الحقيقة وأوقعوها في أنفسهم
بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ
أي : القرآن
وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ
أي : التوراة والإنجيل ، قال الأصبهاني : ولا يستعمل أي : الزعم في الأكثر إلا في القول الذي لا يتحقق يقال : زعم فلان كذا إذا شك فيه فلا يعرف كذبه أو صدقه
يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ
أي : الباطل المغرق في البطلان ، وقيل : هو كعب بن الأشرف . روي عن ابن عباس أنّ بشرا المنافق خاصم يهوديا فقال اليهودي : ننطلق إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وقال المنافق : بل إلى كعب بن الأشرف فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلما رأى المنافق ذلك أتى معه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لليهودي فلما خرجا من عنده لزمه المنافق وقال : انطلق بنا إلى عمر رضي اللّه تعالى عنه فأتيا عمر فقال اليهودي : اختصمت أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه يخاصم إليك فقال عمر للمنافق : أكذلك ؟ فقال : نعم فقال لهما عمر : مكانكما حتى أخرج إليكما ، فدخل وأخذ سيفه ثم خرج فضرب عنق المنافق ، وقال : هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء اللّه ورسوله ، فنزلت هذه الآية ، وقال جبريل عليه السّلام : إنّ عمر فرق بين الحق والباطل فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنت الفاروق » « 1 » . والطاغوت على هذا هو كعب بن الأشرف سمي بذلك لفرط طغيانه أو لتشبيهه بالشيطان ، أو لأن التحاكم إليه تحاكم إلى الشيطان من حيث إنه الحامل عليه
وَقَدْ
أي : والحال إنهم قد
أُمِرُوا
ممن له الأمر في كل ما أنزل إليك من كتاب ما قبله
أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ
أي : بالشيطان فمتى تحاكموا إليه كانوا مؤمنين كافرين باللّه وهو معنى قوله :
وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ
أي : بإرادتهم ذلك التحاكم إليه
أَنْ يُضِلَّهُمْ
أي : المتحاكم إليه
ضَلالًا بَعِيداً
أي : بحيث لا يمكنهم معه الرجوع إلى الهدى . ولما ذكر ضلالهم بالإرادة ورغبتهم في التحاكم إلى الطاغوت ذكر فعلهم فيه في نفرتهم عن التحاكم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ
أي : من أي قائل كان ، وقرأ هشام والكسائي بضم القاف والباقون بالكسر وتقدّم ذكر الإدغام لأبي عمرو
تَعالَوْا
أي : أقبلوا رافعين أنفسكم من وهاد الجهل إلى شرف العلم
إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ
أي : الذي عنده كل شيء
وَإِلَى الرَّسُولِ
أي : الذي تجب طاعته لأجل مرسله مع إنه أكمل الرسل الذين هم أكمل الخلق رسالة
رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ
أي : يعرضون
عَنْكَ
إلى غيرك وأكد ذلك بقوله :
صُدُوداً
أي : هو أعلى طبقات الصدود .
فَكَيْفَ
يكون حالهم
إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ
أي : عقوبة كقتل عمر رضي اللّه تعالى عنه المنافق
بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ
أي : من التحاكم إلى غيرك وعدم الرضا بحكمك من الكفر بغير ذلك أي : أيقدرون على الإعراض والفرار منها ؟ لا وتم الكلام ههنا ، وقوله تعالى :
ثُمَّ جاؤُكَ
أي : حين يصابون للاعتذار معطوف على يصدون وما بينهما اعتراض
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ
أي : ما
أَرَدْنا
أي : بالمحاكمة إلى غيرك
إِلَّا إِحْساناً
أي : صلحا
وَتَوْفِيقاً
أي : تأليفا بين
هامش
( 1 ) أخرجه القرطبي في تفسيره 5 / 264 ، وابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف 45 .