تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
فإن قيل : قال تعالى :
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ
وأراد بالذي وعدنا الجنة فإذا كانت الجنة في السماء فكيف يكون عرضها ما ذكر ؟ أجيب : بأنّ باب الجنة في السماء وعرضها كما أخبر تعالى :
أُعِدَّتْ
هيئت
لِلْمُتَّقِينَ
اللّه بعمل الطاعات وترك المعاصي وفي ذلك دليل على أنّ الجنة مخلوقة الآن وقيل : إنّ الجنة والنار يخلقان بعد قيام الساعة . ثم وصف اللّه تعالى المتقين بصفات فقال :
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ
أي : في طاعة اللّه
فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ
أي : في العسر واليسر أو الأحوال كلها ؛ لأنّ الإنسان لا يخلو عن مسرة أو مضرة أي : لا يخلون عن حال مّا بإنفاق ما قدروا عليه من قليل أو كثير كما يحكى عن بعض السلف أنه ربما تصدّق ببصلة ، وعن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنها تصدّقت بحبة عنب . فأول ما ذكر من أوصافهم الموجبة للجنة ذكر السخاء . وقد روي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « السخيّ قريب من اللّه قريب من الجنة قريب من الناس بعيد عن النار والبخيل بعيد من اللّه قريب من النار ولجاهل سخي أحب إلى اللّه من العالم البخيل » « 1 »
وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ
أي : الممسكين عليه الكافين عن إمضائه مع القدرة . روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من كظم غيظا وهو يقدر على أن ينفذه دعاه اللّه يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء » « 2 » . وروي : « من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ اللّه قلبه أمنا وإيمانا » « 3 » . وروي : « ليس الشديد بالصرعة لكنه الذي يملك نفسه عند الغضب » « 4 »
وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ
أي : التاركين عقوبة من استحقوا مؤاخذته . روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ينادي مناد يوم القيامة أين الذين كانت أجورهم على اللّه فلا يقوم إلا من عفا » « 5 » وعن ابن عيينة أنه رواه للرشيد وقد غضب على رجل فخلاه . وروي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنّ هؤلاء في أمّتي قليل إلا من عصم اللّه » « 6 » وقد كانوا كثيرا في الأمم التي مضت وهذا الاستثناء يحتمل أن يكون منقطعا وهو ظاهر وأن يكون متصلا لما في القلة من معنى العدم كأنه قيل : إن هؤلاء في أمّتي لا يوجدون إلا من عصم اللّه فإنه يوجد في أمّتي وقوله تعالى :
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
يجوز أن تكون اللام فيه للجنس فيتناول كل محسن ويدخل تحته هؤلاء المذكورون وأن تكون للعهد فتكون إشارة إلى هؤلاء وقوله تعالى :
وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً
أي : ذنبا قبيحا كالزنا
أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
أي : بما دون الزنا كالقبلة وقيل : الفاحشة ما يتعدّى وظلم النفس ما ليس كذلك
ذَكَرُوا اللَّهَ
أي : ذكروا وعيده أو
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في البر حديث 1961 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في الأدب حديث 4777 ، والترمذي في البر حديث 2021 ، وابن ماجة في الزهد حديث 6220 . ( 3 ) أخرجه الترمذي حديث 2493 ، والسيوطي في الدر المنثور 2 / 73 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 5822 ، 5833 . ( 4 ) أخرجه البخاري في الأدب حديث 6114 ، ومسلم في البر حديث 2609 . ( 5 ) أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال 7008 . ( 6 ) أخرجه ابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف 32 .