تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
مفعولين ومعناه النهي عن الضرار بهما مثل أن يعجلا عن مهمّ ويكلفا الخروج عما حد لهما ولا يعطى الكاتب جعله ولا الشهيد مؤنة مجيئه حيث كان ، والمنهي حينئذ المتبايعان ، فالآية محتملة للبناء للفاعل وللبناء للمفعول فتحمل عليهما معا أو على كل منهما والأولى أولى .
وَإِنْ تَفْعَلُوا
ما نهيتم عنه من الضرار
فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ
أي : معصية وخروج عن الأمر
وَاتَّقُوا اللَّهَ
في مخالفة أمره ونهيه
وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ
أحكامه المتضمنة لمصالحكم
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
كرّر لفظ اللّه في الجمل الثلاث لاستقلالها ، فإنّ الأولى حث على التقوى ، والثانية وعد بإنعامه ، والثالثة تعظيم اللّه لشأنه عز وجل ، ولأنه أدخل في التعظيم من الضمير وهذا آخر آية الدين ، وقد حث سبحانه وتعالى فيها على الاحتياط في أمر الأموال لكونها سببا لمصالح المعاش والمعاد قال تعالى :
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ
[ النساء ، 5 ] الآية . قال القفال رحمه اللّه تعالى : ويدلّ على ذلك أنّ ألفاظ القرآن جارية في الأكثر على الاختصار . وفي هذه الآية بسط شديد ألا ترى أنه قال :
إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ !
ثم قال ثانيا :
وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ ،
ثم قال ثالثا :
وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ
فكان هذا كالتكرار لقوله :
وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ
لأنّ العدل هو ما علمه اللّه ، ثم قال رابعا :
فَلْيَكْتُبْ
وهذا إعادة للأمر الأوّل ثم قال خامسا :
وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ
وفي قوله تعالى :
وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ
كناية عن قوله :
وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ
لأنّ الكاتب بالعدل إنما يكتب ما يملى عليه ، ثم قال سادسا :
وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ
وهذا تأكيد ثم قال سابعا :
وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً
وهذا كالمستفاد من قوله :
وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ
ثم قال ثامنا :
وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ
وهو أيضا تأكيد لما مضى ثم قال تاسعا :
ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا !
فذكر هذه الفوائد التالية لتلك التأكيدات السالفة وكل ذلك يدل على المبالغة ، في التوصية بحفظ المال الحلال وصونه عن الهلاك ليتمكن الإنسان بواسطته من الإنفاق في سبيل اللّه والإعراض عن مساخط اللّه تعالى من الربا وغيره والمواظبة على تقوى اللّه .
وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ
أي : مسافرين وتداينتم ، فعلى بمعنى في لئلا يتوهم أن المعنى على نية سفر
وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ
أي : فعليكم رهن
مَقْبُوضَةٌ
تستوثقون بها وبينت السنة جواز الرهن في الحضر ومع وجود الكاتب ، فقد « رهن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم درعه في المدينة من يهوديّ بعشرين صاعا من شعير أخذه لأهله » « 1 » فالتقييد بما ذكر ؛ لأنّ التوثق به أشدّ ، وعن مجاهد والضحاك أنهما لم يجوزاه إلا في السفر أخذا بظاهر الآية . وأفاد قوله تعالى :
مَقْبُوضَةٌ
اشتراط القبض أي : في لزوم الرهن لا في صحته والاكتفاء به من المرتهن ووكيله ولا يشترط القبض عند مالك ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بضمّ الراء والهاء ولا ألف بعدها والباقون بكسر الراء وفتح الهاء وألف بعدها وكلاهما جمع رهن بمعنى مرهون
فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ
أي : الدائن
بَعْضاً
أي : المديون واستغنى بأمانته عن الارتهان
فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ
أي : المدين
أَمانَتَهُ
أي : دينه سماه أمانة لائتمانه عليه بترك الارتهان به ، وقرأ ورش
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في البيوع حديث 2068 ، ومسلم في المساقاة حديث 1603 ، والترمذي في البيوع حديث 1215 ، والنسائي في البيوع حديث 4610 .