تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
التفاسير فتذكر أي : فتجعل إحداهما الأخرى ذكرا يعني أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذكر ، وقرأ حمزة وحده أن تضل إحداهما على الشرط فتذكر بالرفع والتشديد كقوله تعالى :
وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ
[ المائدة : 95 ] وجملة الإذكار محل العلة أي : لتذكر إن ضلت ودخلت على الضلال ؛ لأنّ الضلال سبب الإذكار وهم ينزلون كل واحد من السبب والسبب منزلة الآخر
وَلا يَأْبَ
أي : لا يمتنع
الشُّهَداءُ إِذا ما
أي : إذا
دُعُوا
لأداء الشهادة والتحمل ، فما مزيدة وسموا شهداء على هذا الثاني تنزيلا لما يشارف منزلة الواقع
وَلا تَسْئَمُوا
أي : تملوا من
أَنْ تَكْتُبُوهُ
أي : ما شهدتم عليه من الحق لكثرة وقوعه أو تكسلوا من أن تكتبوه فكني عن السآمة التي تكون بعد الشروع للكثرة بالكسل الذي يكون ابتداء لكونها من لوازمه ؛ لأنّ الكسل صفة المنافق . قال تعالى :
وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى
[ النساء ، 142 ] وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يقول المؤمن كسلت » « 1 »
صَغِيراً
كان ذلك الحق
أَوْ كَبِيراً
قليلا أو كثيرا وقوله تعالى :
إِلى أَجَلِهِ
أي : وقت حلوله الذي أقرّ به المديون حال من الهاء في تكتبوه
ذلِكُمْ
أي : الكتب
أَقْسَطُ
أي : أعدل
عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ
أي : أعون على إقامتها لأنه يذكرها . تنبيه : يجوز على مذهب سيبويه أن يكون أقسط وأقوم مبنيين من أقسط وأقام ، وأن يكون أقسط من قاسط على طريقة النسب بمعنى ذي قسط وأقوم من قويم أو هما مبنيان من أقسط وأقام لا من قسط وقام ؛ لأنّ قسط بمعنى جار ، والمعنى هنا على العدل والفعل منه أقسط فلزم أن يكون أقسط في الآية من المزيد لقصد الزيادة في المقسط قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
[ المائدة ، 42 ] لا من المجرّد ؛ لأنّ معناه الزيادة في القاسط وهو الجائز قال تعالى :
وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً
[ الجن ، 15 ] وكذا أقوم معناه أشدّ إقامة لا قياما وبناؤهما من ذلك على غير قياس ، والقياس أن يكون البناء من المجرّد لا من المزيد ويجوز أن يكون بناؤهما من قاسط بمعنى ذي قسط أي : عدل وبمعنى قويم أي : ذي استقامة على طريقة النسب كالابن وتأمر فيكون أفعل لا فعل له ، وإنما صحت الواو في أقوم كما صحت في التعجب لجموده
وَأَدْنى
أي : وأقرب إلى
أَلَّا تَرْتابُوا
أي : تشكوا في قدر الحق وجنسه والشهود والأجل ونحو ذلك
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً
وهي تعم المبايعة بدين أو عين
تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ
أي : تتعاطونها يدا بيد
فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ
أي : لا بأس إذا تبايعتم يدا بيد
أَلَّا تَكْتُبُوها
فهو استثناء من الأمر بالكتابة لبعده حينئذ عن التنازع والنسيان ، وقرأ عاصم بنصب التاء فيهما على أنّ تجارة هي الخبر والاسم مضمر تقديره إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة ، والباقون بالرفع فيهما على أنّ تجارة هي الاسم والخبر تديرونها أو على كان التامّة
وَأَشْهِدُوا
أي : ندبا
إِذا تَبايَعْتُمْ
عليه سواء كان ناجزا أو كالئا فإنه أدفع للاختلاف فهو تعميم بعد تخصيص احتياطا في جميع المبتاعات ، ويجوز أن يراد هذا التبايع الذي هو التجارة الحاضرة على أنّ الإشهاد كاف فيه دون الكتابة وقوله تعالى :
وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ
أصله يضارر أدغمت إحدى الراءين في الأخرى ونصبت لحق التضعيف لاجتماع الساكنين ، واختلفوا فمنهم من قال أصله يضارر بكسر الراء الأولى وجعل الفعل للكاتب والشهيد ومعناه نهيهما عن ترك الإجابة وعن التحريف والتغيير في الكتابة والشهادة ، ومنهم من قال : أصله يضارر بفتح الراء على الفعل المجهول وجعلوا الكاتب والشاهد
هامش
( 1 ) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي .