تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ
أي : تجامعوهنّ
أَوْ
لم
تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً
أي : مهرا ، وما مصدرية ظرفية ، أي : لا تبعة عليكم في الطلاق زمن عدم المسيس والفرض بإثم ولا مهر ، والتبعة بكسر الباء : ما يتبع المال أو البدن من نوائب الحقوق ، وهو من تبعت الرجل بحقي . وقرأ حمزة والكسائي بضم التاء وألف بعد الميم ، والباقون بفتح التاء ولا ألف بعد الميم . وقوله تعالى :
وَمَتِّعُوهُنَّ
عطف على مفسد ، ولأنه طلب فلا يعطف على
« لا جُناحَ » ؛
لأنه خبر أي : فطلقوهنّ ومتّعوهن ، والحكمة في إيجاب المتعة جبر إيحاش الطلاق ، ويسن أن لا تنقص عن ثلاثين درهما أو ما قيمته ذلك ، وإذا تراضيا بشيء فذاك ، وإن تنازعا في قدرها قدّرها قاض باجتهاده بقدر حالهما من يساره وإعساره ، ونسبها وصفاتها ، كما قال تعالى :
عَلَى الْمُوسِعِ
أي : الغني منكم
قَدَرُهُ
أي : ما يطيقه ويليق به
وَعَلَى الْمُقْتِرِ
أي : ضيق الرزق
قَدَرُهُ
أي : ما يطيقه ويليق به . ويدل عليه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم لأنصاري طلق امرأته المفوّضة قبل أن يمسها : « أمتعتها » قال : لم يكن عندي شيء قال : « متعها بقلنسوتك » « 1 » . ومفهوم الآية يقتضي تخصيص إيجاب المتعة للمفوّضة التي لم يمسها الزوج ، وألحق بها الشافعي رضي اللّه تعالى عنه الممسوسة المفوّضة وغيرها قياسا وهو مقدّم على المفهوم . وقرأ ابن ذكوان وشعبة وحمزة والكسائي بفتح الدال ، والباقون بسكونها وقوله تعالى :
مَتاعاً
تأكيدا لمتعوهن بمعنى تمتيعا وقوله تعالى :
بِالْمَعْرُوفِ
أي : شرعا صفة « متاعا » وقوله تعالى :
حَقًّا
صفة ثانية لمتاعا أي : متاعا واجبا عليهم ، أو مصدر مؤكد أي : حق ذلك حقا
عَلَى الْمُحْسِنِينَ
أي : المطيعين الذين يحسنون إلى أنفسهم بالمسارعة إلى الامتثال ، أو إلى المطلقات بالتمتيع ، وسماهم قبل الفعل محسنين كما قال عليه الصلاة والسّلام : « من قتل قتيلا فله سلبه » « 2 » ترغيبا وتحريضا . ولما ذكر اللّه تعالى حكم المفوّضة أتبعها حكم قسيمها بقوله تعالى :
وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ
يجب لهن ويرجع لكم النصف ، وهو دليل على أنّ الجناح المنفي ثم تبعة المهر ، وأن لا متعة مع التشطير ؛ لأنه قسيمها
إِلَّا
لكن
أَنْ يَعْفُونَ
أي : الزوجات فلا يأخذن شيئا . فإن قيل : أي فرق بين قولك : الرجال يعفون والنساء يعفون ؟ أجيب : بأن الواو في الأوّل ضمير هم ، والنون علم الرفع والواو في الثاني لام الفعل ، والنون ضميرهن ، والفعل مبني لا أثر في لفظه للعامل ، وهو في محل النصب .
أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ
وهو الزوج المالك لعقده وحله ، كما يعود إليه بالتشطير
هامش
( 1 ) أخرجه القرطبي في تفسيره 3 / 202 ، بلفظ : « متعها ولو بقلنسوتك » . ( 2 ) أخرجه البخاري في المغازي حديث 4322 ، ومسلم في الجهاد حديث 1751 ، وأبو داود في الجهاد حديث 2717 ، والترمذي في السير حديث 1562 .