والفاء لما في الكلام من معنى الشرط إذ المعنى أن نعم اللّه عليهم لا تحصى فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لأجله .
إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ
( 2 ) أي الرحلة في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام فيمتارون ويتجرون ، أو بمحذوف مثل أعجبوا ، أو بما قبله كالتضمين في الشعر أي جعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش .
شرح
قوله تعالى :( إِيلافِهِمْ )بدل من الأول وانتصاب « رحلة » على أنه مفعول به للمصدر كما نصبيَتِيماً[ البلد : 15 ] بقوله :أَوْ إِطْعامٌ[ البلد : 14 ] فيكون الإيلاف مصدرا من المبني للمفعول مضافا إلى مفعوله الأول ، وأطلق عن مفعوله الثاني حيث لم يقيد بتعلقه به .
ثم جعل المقيد به بدلا من ذلك المطلق تفخيما لأمر الإيلاف وتذكيرا لعظم المنة فيه لكونه نعمة عظيمة كما تقول : عجبت من إحسانك إحسانك إلى زيد . قوله : ( والفاء لما في الكلام من معنى الشرط ) جواب عما يقال : كون اللام متعلقة بقوله : « فليعبدوا » يستلزم أن يتوسط فاء التعقيب بين العامل ومعموله ولا وجه له . وتقرير الجواب : أن قوله : « فليعبدوا » مع ما في حيزه جواب شرط محذوف . غاية ما في الباب أنه قدم عليه معموله لإفادة الحصر ولزم منه توسط الفاء بينهما صورة ولفظا . والرحلة بكسر الراء الارتحال ، وبالضم الجهة التي يرتحل إليها . وأصل الرحلة السير على الراحلة وهي الناقة القوية ، ثم استعمل في كل سير وارتحال .
قوله : ( فيمتارون ) أي يحملون الميرة وهي الطعام . قوله : ( أو بمحذوف ) أي ويجوز أن لا تكون اللام متعلقة بقوله : « فليعبدوا » بأن تكون متعلقة بمحذوف مثل أعجبوا . قال الإمام محيي السنة في تفسيره حاكيا عن الكسائي والأخفش : اللام في قوله تعالى :« لِإِيلافِ »هي لام التعجب كأنه قيل : اعجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف وتركهم عبادة رب هذا البيت ! ثم أمرهم بعبادته فقال :فَلْيَعْبُدُواوهذا كما تقول لزيد : وإكرامنا إياه ! على وجه التعجب أي اعجبوا لزيد . والعرب إذا جاءت بهذه اللام اكتفت بها دليلا على التعجب من غير إظهار فعل التعجب . إلى هنا كلامه . ووجه التعجب أنه تعالى سهل لهم طريق معاشهم وحفظهم في أسفارهم إلى مواضع تجاراتهم من أن يتعرض لهم قطاع الطريق كما يتعرضون لسائر المسافرين مع إصرارهم على الشرك وعبادة الأوثان ، والظاهر على هذا الوجه أن يكون قوله تعالى :فَلْيَعْبُدُوامعطوفا على مقدر أي لينتهوا عن هذا الكفر فليعبدوا . قوله :
( كالتضمين في الشعر ) وهو أن يتعلق معنى البيت بالبيت الذي قبله تعلقا لا يصح المعنى إلا به ، وكون هذه اللام متعلقة بما قبلها كذلك لأن المعمول يتوقف في تمام معناه على عامله وعلى تعلقه به ، فإن قيل : تغاير البيتين ليس كتغاير السورتين ، فإن حق كل سورة أن تكون مستقلة بنفسها ، ولا يتعلق ما في أحد السورتين بما في الأخرى فكيف جاز أن تتعلق هذه اللام بما في السورة المتقدمة ؟ قلنا : السؤال ساقط على مذهب من يقول : إنهما سورة واحدة