تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 693

مساهمون:

ص٦٩٣
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ
( 1 ) متعلق بقوله :
فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ
[ قريش : 3 ]
شرح
ودمت عليه ، فمعنى الآية : لإلف قريش هاتين الرحلتين ولزومهم إياهما وثباتهم عليهما بحيث إذا فرغوا من إحداهما أخذوا في الأخرى وبالعكس . والظاهر على هذا المعنى أن تكون اللام في قوله تعالى :لِإِيلافِمتعلقة بما قبلها والتقدير : فعل ربك بأصحاب الفيل ما فعل من تضليل كيدهم وتضييعه وإرسال الطير الأبابيل عليهم وجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش بالرحلتين وبقائهم عليهما . فإنه لو تم للحبشة ما عزموا عليه من هدم الكعبة وتخريبها لما أمكن لهم أن يثبتوا على ما ألفوه من الرحلتين اللتين يتوقف عليهما انتظام أمر معاشهم ، فإن أهل مكة ليس لهم زرع ولا ضرع فليس لهم طريق معاش سوى التجارة ، وأنها إنما تتأتى لهم بسبب أن ملوك تلك النواحي كانوا يعظمونهم ويقولون : هؤلاء جيران بيت اللّه وسكان حرمه ، فكانوا بذلك آمنين في أسفارهم لا يتخطفون ولا يتعرض لهم في نفوسهم ولا في أموالهم . فلو لم يفعل اللّه تعالى بأصحاب الفيل ما فعل بهم ومكنهم من هدم الكعبة لزال عن أهل مكة هذا العز والشرف ، وانقطع عنهم تعظيم الملوك واحترامهم إياهم ، ولصار سكان مكة كسكان سائر البلاد يتخطفون من كل جانب بسلب أموالهم وقتل نفوسهم . فلما أهلك اللّه تعالى أصحاب الفيل ازداد رفع قدر أهل مكة وهيبتهم في القلوب فاستمروا وداموا على ما ألفوا به من رحلتهم في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام . والظاهر أن الإيلاف ليس بمعنى الإلف بل همزة آلف إنما زيدت لتعدية الفعل منه إلى المفعولين والأصل ألفت الشيء وآلفته غيري بمعنى لزمته وألزمته غيري ، كأنه تعالى قال : فعلنا ذلك بأصحاب الفيل لنؤلف قريشا رحلتيها ولنبقيهم على ما ألفوا به . روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : كان السبب في الفهم بالرحلتين أن قريشا كانوا إذا أصاب واحدا منهم مخمصة خرج هو وعياله إلى موضع وجنوا على أنفسهم جناية حتى يموتوا ، وكانوا على ذلك إلى أن جاء هاشم بن عبد مناف وكان سيد قومه فقام خطيبا في قريش فقال : إنكم أحدثتم حدثا تغلون فيه وتزلون ، وأنتم أهل حرم اللّه تعالى وأشرف ولد آدم والناس لكم تبع . قالوا : نحن نتبع لك فليس عليك منا خلاف . فجمع كل بني أب على الرحلتين في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام ، لأن بلاد اليمن حامية حارة وبلاد الشام رطب باردة ، ليتجروا فيما بدا لهم من التجارات فما ربح الفتى منهم قسمه بينه وبين فقرائهم حتى كان فقيرهم كغنيهم . فجاء الإسلام وهم على ذلك فلم يكن في العرب يتور أب أكثر مالا ولا أعز من قريش حتى قيل فيهم :الحافظون فقيرهم بغنيهم * حتى يكون فقيرهم كالكافي