عنقه . فجاءه ثم نكص على عقبيه فقيل له : ما لك ؟ فقال : إن بيني وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة . فنزلت . ولفظ العبد وتنكيره للمبالغة في تقبيح النهي والدلالة على كمال عبودية المنهي .
أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى ( 11 ) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى
( 12 ) أرأيت تكرير للأول وكذا الذي في قوله .
أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 13 ) أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى
( 14 ) والشرطية مفعوله الثاني وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب الشرط الثاني الواقع موقع القسيم له . والمعنى :
أخبرني عمن ينهى بعض عباد اللّه عن صلاته إن كان ذلك الناهي على هدى فيما ينهى
شرح
المفسرين إلى أن أول ما نزل قد انتهى عند قوله تعالى :عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْثم نزل باقي السورة بعد زمان مديد في حق أبي جهل لعنه اللّه . ثم إنه عليه الصلاة والسّلام أمر بأن يوضع في هذا الموضع ويضم إلى آخر الآيات الخمس التي هي أول ما نزل من القرآن ، لأن تأليف الآيات إنما كان بأمر اللّه تعالى . ألا ترى أن قوله تعالى :وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ[ البقرة : 281 ] آخر ما نزل عند المفسرين ثم هو مضموم إلى ما نزل قبله بزمان طويل ! وما ذكره صاحب الكشاف يؤيد هذا القول وهو قوله : روي أن أبا جهل قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :
أتزعم أن من استغنى طغى ؟ فاجعل لنا جبال مكة ذهبا وفضة لعلنا نأخذ منها فنطغى فندع ديننا ونتبع دينك . فنزل جبريل عليه السّلام فقال : إن شئت فعلنا ذلك . ثم إن لم يؤمنوا فعلنا بهم ما فعلنا بأصحاب المائدة . فكف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الدعاء إبقاء عليهم وترحما . وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال أبو جهل : هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم ؟ قالوا : نعم .
قال : فبالذي نحلف به لأن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته . قال : فقيل له : ها هو ذاك ظهر . فانطلق ليطأ على رقبته فما فجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه فأتوه فقالوا :
ما لك يا أبا الحكم . قال : إن بيني وبينه لخندقا من نار . فنزل قوله :أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّىقال عليه الصلاة والسّلام : « والذي نفسي بيده لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا فعضوا » . والهول الخوف . والأجنحة أجنحة الملائكة أبصر اللعين أجنحتهم ولم يبصر أصحابها . قوله : ( ولفظ العبد وتنكيره للمبالغة في تقبيح النهي ) فإنه لو قيل : « ينهاك » بضمير الخطاب يدل لفظ العبد لدل الكلام على تقبيح النهي إلا أن يراد لفظ العبد أبلغ في تقبيح النهي ، لأن نهي العبد عن تعظيم مولاه أقبح من نهي فرد من أفراد الإنسان عنه . وتنكير لفظ العبد يدل على تعظيمه وكماله في العبودية فيكون نهيه عن تعظيم مولاه أبلغ من نهي عبد ما أي عبد كان ، فكأنه قيل : ينهى أكمل الخلق في العبودية عن عبادة ربه . قوله : ( والشرطية مفعوله الثاني ) إن جعل « رأيت » من رؤية القلب المقتضية للمفعولين وجعل قوله : « الذي ينهى » مفعوله الأول وجعلت الشرطية الأولى مفعوله الثاني وهي قوله :إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى