في التكذيب حتى نفينا الإنزال والإرسال رأسا وبالغنا في نسبتهم إلى الضلال والنذير إما بمعنى الجمع لأنه فعيل ، أو مصدر مقدر مضاف أي أهل إنذار ، أو منعوت به للمبالغة ، أو الواحد والخطاب له ولأمثاله على التغليب ، أو إقامة تكذيب الواحد مقام تكذيب الكل ، أو على أن المعنى قالت الأفواج قد جاء إلى كل فوج منا رسول فكذبناهم وضللناهم . ويجوز أن يكون الخطاب من كلام الزبانية لكفار على إرادة القول فيكون الضلال ما كانوا عليه في الدنيا أو عقابه الذي يكونون فيه .
وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ
كلام الرسل فنقبله جملة من غير بحث وتفتيش اعتمادا على ما لاح من صدقهم بالمعجزات
أَوْ نَعْقِلُ
فنتفكر في حكمه ومعانيه تفكر المستبصرين
شرح
قوله : ( وبالغنا في نسبتهم إلى الضلال ) إشارة إلى قوله :إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍمن مقالة الكفار أي وقلنا لهم : ما أنزل اللّه من شيء على ألسنتكم إن أنتم يا معشر الرسل إلا في ضلال كبير ، اعترفوا بعدل اللّه تعالى وأقروا بأنه تعالى أزاح عنهم ببعثة الرسل وإنذارهم ما وقعوا فيه بتكذيبهم الرسل ، ثم اعترفوا بجهنم حيث قالوا وهم في النار : ( لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا اليوم في أصحاب السعير ) روي عنه عليه الصلاة والسّلام أنه قال :
« لكل شيء دعامة ودعامة المؤمن عقله فبقدر عقله يعبد ربه » . وقال عليه الصلاة والسّلام :
« إن الرجل ليكون من أهل الصلاة والصيام وممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، وما يجزى يوم القيامة إلا على قدر عقله » . وقال عليه الصلاة والسّلام : « الأحمق يصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر وإنما يرتفع العباد غدا في الدرجات وينالون الزلفى من ربهم على قدر عقولهم » . قوله : ( والنذير إما بمعنى الجمع ) أي على تقدير أن يكون قوله تعالى :إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍمن جملة كلام الكفار وخطابهم للمنذرين لا بد أن يكون النذير بمعنى الجمع ليصح خطاب النذير بقوله :إِنْ أَنْتُمْأو يكون مصدرا بمعنى الإنذار كالرجيف والأنين على حذف المضاف ، أو على أنه مصدر وصف به المنذرون للمبالغة كأنهم لكثرة إنذارهم وغلوهم في ذلك واتفاقهم فيه كانوا إنذارا واحدا . قوله : ( أو الواحد ) عطف على قوله : « الرسل » في قوله : « أي فكذبنا الرسل » أي ويجوز أن يكون « نذير » بمعنى منذر واحد ويكون قوله : « إن أنتم » خطابا له ولأمثاله . قوله : ( أو إقامة تكذيب الواحد ) عطف على التغليب . قوله : ( ويجوز أن يكون الخطاب ) عطف على ما يفهم من قوله : « وبالغنا في نسبتهم إلى الضلال » فإنه يدل على أن قوله : « إن أنتم » من جملة قول الكفار وخطابهم للرسل . وإن كان الخطاب من الزبانية يكون مرادهم من ضلال الكفرة ما كانوا عليه في الدنيا من ضلالهم في باب الاعتقاد والعمل ، أو ما كانوا عليه في جهنم من العقاب بطريق تسمية عقاب الضلال ضلالا ، أو على أن يكون الضلال بمعنى الضياع والهلاك يقال : ضل الشيء