تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
أو أوجد الحياة وأزالها حسبما قدره . وقدم الموت لقوله :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ
شرح
إشارة إلى أن الشيء مصدر شاء بمعنى المفعول كضرب الأمير ، ومعنى مشيء الوجود ما يشاء اللّه وجوده وإن كان موجودا في الجملة إلا أن مشيئة الوجود تستدعي سبق العدم فيكون معدوما ممكنا ولا يتناول الواجب والممتنع بيّن اللّه تعالى بقوله :بِيَدِهِ الْمُلْكُأنه مستولي على التصرف في الموجودات كلها وبقوله :وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌقدرته على المعدومات الممكنة بأسرها وأنه لا يخرج شيء من المعدومات والموجودات عن ملكه وقدرته فيكون قوله :وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌتكميلا لقوله :بِيَدِهِفإن قلت : ما ذكرته يدل على أن الشيء أعم من الموجود والمعدوم الممكن ونحن لا نقول به بل هو مذهب المعتزلة ، وأيضا قولك : الشيء لا يتناول الواجب والممتنع ينافي قوله :قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ[ الأنعام : 19 ] فإنا نسمي اللّه شيئا لا كالأشياء . قلنا : كون المعدوم الممكن شيئا بمعنى مشيء الوجود لا ينافي كون الشيء مختصا بالموجود لأن ما شاء اللّه وجوده موجود في الجملة لأن مراد اللّه تعالى لا يتخلف عن إرادته . وقولنا : الشيء لا يتناول الواجب هو الشيء بمعنى مشيء الوجود لا الشيء بمعنى الشائي ، فإن الشيء إذا أطلق على البارىء تعالى يكون بمعنى الشائي . وأما في قوله تعالى :خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ[ الزمر : 62 ] فإن الشيء فيهما بمعنى مشيء الوجود فلا حاجة إلى أن يقال إنه من قبيل المخصص بدليل العقل . واحتج بعضهم بهذه الآية على أنه تعالى ليس بشيء فقال : لو كان شيئا لكان قادرا على نفسه وخالقا لنفسه وهو محال ، ونحن نقول : إنه تعالى ليس بشيء بمعنى مشيء الوجود ولا يلزم منه أن لا يكون شيئا أصلا لأنه تعالى شيء بمعنى أنه شائي . قوله : ( أو أوجد الحياة وأزالها ) جواب عما يقال : الحياة صفة وجودية زائدة على نفس الذات مغايرة للعلم والقدرة مصححة لاتصاف الذات بهما وبالإحساس والحركة الإرادية فكونها متعلقا للخلق ظاهر . وأما الموت فهو صفة عدمية لكونه عبارة عن عدم هذه الصفة عن محل يقبلها فكيف يكون متعلقا للخلق وهو عبارة عن الإيجاد والتكوين فلا يتعلق إلا بما يقبل الإيجاد ؟ فأجاب عنه أولا بأن الخلق وإن كان يستعمل في الإيجاد إلا أنه في الأصل بمعنى التقدير يقال : خلقت الأديم إذا قدرته قبل القطع . قال الحجاج : ما خلقت إلا فريت ولا وعدت إلا وفيت . والخلق ههنا بمعنى التقدير . وثانيا بأن لا نسلم أن الموت صفة عدمية بل هو صفة وجودية مضادة للحياة كالحرارة والبرودة يقبل كل منهما الإيجاد والتكوين ، إلا أن إيجاد أحد الضدين لما كان مستلزما لإزالة الآخر عن محله عبّر عن إيجاد الموت بإزالة الحياة . واحتج أهل السنة بهذه الآية على أن الموت صفة وجودية وقالوا : إنه لو كان أمرا عدميا لما تعلق به الخلق والتكوين . قوله : ( وقدم الموت ) مع أن الحياة متقدمة على الموت