بعد رسول حتى انتهى إلى عيسى . والضمير لنوح وإبراهيم ومن أرسلا إليهم ، أو من عاصرهما من الرسل لا للذرية فإن الرسل المقفى بهم من الذرية .
وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ
وقرىء بفتح الهمزة وأمره أهون من أمر البرطيل لأنه أعجمي .
وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً
وقرىء « رءآفة » على فعالة .
وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها
أي وابتدعوا رهبانية ابتدعوها ، أو رهبانية مبتدعة على أنها من المجعولات وهي المبالغة في العبادة والرياضة والانقطاع عن الناس منسوبة إلى الرهبان وهو المبالغ في الخوف من
شرح
المدلول عليه بقوله :أَرْسَلْنا .قوله : ( أو من عاصرهما ) معطوف على قوله : « من أرسلا إليهم » احتاج إلى أن يعتبر معهما من أرسلا إليهم أو من عاصرهما لاقتضاء ضمير الجمع في قوله :عَلى آثارِهِمْذلكبِرُسُلِناموسى والياس وداود وسليمان ويونس وغيرهم وعيسى من ذرية إبراهيم من جهة الأم كما أنه من ذرية نوح أيضا يقال : قفوت أثره أقفو قفوا أي اتبعته وقفيت على أثره بفلان أي اتبعته إياه . قوله : ( وأمره أهون ) أي أمر فتح همزة إنجيل أهون من فتح باء برطيل ، لأن إنجيل لفظ أعجمي فلا محذور في كونه مخالفا لأوزان العرب ، بخلاف برطيل فإنه لفظ عربي فبفتح الباء فيه صار بحيث لم يوجد له نظير في الأوزان العربية فكان شاذا بخلاف ما لو كسر الباء فيه فإن له نظائر كثيرة في الألفاظ العربية :
كالقنديل والإحليل والإبريق والإكسير . والبرطيل حجر مستطيل يدخل في الحلق لأجل التداوي به شبّهت الرشوة به فسميت برطيلا على طريق الاستعارة . واللغة الشائعة برطيل بكسر الباء ويستعمل بفتح الباء أيضا بطريق الشذوذ . والمراد بمن اتبع عيسى على دينه الحواريون واتباعهم . قيل : الرأفة اللين والرحمة الشفقة والمراد بهما في الآية المودة فكان بعضهم يود بعضا كما وصف اللّه تعالى هذه الأمة بقوله :رُحَماءُ بَيْنَهُمْ[ الفتح : 29 ] .
قوله : ( أي وابتدعوا رهبانية ) على أن يكون انتصاب « رهبانية » على أنه من قبيل ما أضمر عامله على شريطة التفسير . قوله : ( أو رهبانية مبتدعة ) على أن تكون معطوفة على قوله :رَأْفَةً وَرَحْمَةًمجعولة له تعالى ويكون ابتدعوها صفة « لرهبانية » و « جعل » إما بمعنى خلق أو بمعنى صير . ويرد على هذا أن يقال : كيف تكون الرهبانية حاصلة لهم بجعل اللّه تعالى ومبتدعة لهم حاصلة من جهتهم وهما متنافيان بحسب الظاهر ؟ والجواب عنه منع التنافي بناء على أن الرهبانية وهي الفعلات المنسوبة إلى الرهبان كتكثير العبادات وترك العادات ولزوم الخلوات من الأفعال التي يكون لقدرة الإنسان واكتسابه مدخل فيها ، بخلاف الرأفة والرحمة فإنهما من الأمور الغريزية فلا مدخل لكسب الإنسان فيهما ، فصح توصيف الكل بكونها مجعولة مخلوقة له تعالى ، وتوصيف ما يكون بكسب الإنسان واختياره بأنه مبتدع له فإن جميع الأفعال الاختيارية منسوبة إليه تعالى بالخلق والإيجاد وإلى العبد بالكسب والاختيار .