شرح
عطف عدم الارتياب على الإيمان بكلمة « ثم » فالتراخي زماني . قوله : ( في طاعته ) فإنها هي السبيل المؤدي إلى مرضاة اللّه تعالى وثوابه . قوله : ( والمجاهدة بالأموال والأنفس ) يعني أن المجاهدة بالأموال لا تختص بتقوية الغزاة بما عنده من المال بل تعم جميع العبادات المالية ، وكذا المجاهدة بالأنفس لا تختص بالغزو بل تعم جميع العبادات البدنية . قوله تعالى :( هُمُ الصَّادِقُونَ )قصر إفراد وتكذيب لأعراب بني أسد حيث اعتقدوا الشركة وزعموا أنهم صادقون أيضا في دعوى الإيمان . قوله : ( لما نزلت الآية المتقدمة ) وهي قوله تعالى :قالَتِ الْأَعْرابُإلى قوله :أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَوالمراد بهذه قوله تعالى :قُلْ أَ تُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْوالاستفهام للتوبيخ والإنكار أي لا تعرفوا اللّه بدينكم فإنه عالم به لا يخفى عليه شيء .
قوله : ( وهي النعمة التي لا يستثيب موليها ممن يزلها ) أي لا يطلب الثواب وهو العوض وموليها أي معطيها يقال : أزللت إليه نعمة أي أعطيتها . وفي الحديث : « من أزلت إليه نعمة فليشكرها » . وأزللت إليه شيئا أي أعطيت . قوله : ( من المن ) المن في الأصل القطع قال تعالى :فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ[ التين : 6 ] أي مقطوع ، ثم نقل منه إلى معنى الإنعام والإفضال على المحتاج لمجرد قطع حاجته أي مع قطع النظر عن أن يثيبه المحتاج أي يعوضه شيئا لاشتماله على معنى القطع يقال : منّ عليه منّا أي أنعم عليه وأفضل من غير استثابة وطلب عوض . ثم إنه قد يطلق ويراد به عد المصنوع منه وإنعاما واعتبارا بشأنه فيقال : منّ عليه صنيعه إذا اعتده عليه واعتبره منة وإنعاما . وقيل : النعمة الثقيلة من المن وهو رطلان يقال : منّ عليه منة إذا أثقله بالنعمة . قوله : ( على ما زعمتم ) دفع لما يقال من أن قوله :بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِظاهره تسليم لإيمانهم وهو ينافي قوله :قُلْ لَمْ تُؤْمِنُواولما كان معناه حقيقة ومعنى قوله :أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِأي هداكم له على زعمكم اندفعت المنافاة مع أن المنافاة إنما تتحقق أن لو كانت الهداية مستلزمة للاهتداء وليست كذلك لقوله تعالى :وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى[ فصلت : 17 ] قوله : ( وفي سياق الآية لطف ) جواب عما يقال : قوله تعالى :يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوايقتضي بظاهره أنهم سموا ما أحدثوه إسلاما وهم ما كانوا يسمونه إسلاما بل يسمونه إيمانا لقوله تعالى :قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّاففي الكلام نوع من المنافاة . فأجاب عنه بأن فيه نوعا من اللطافة ومحصوله أنه تعالى سمى ما صدر عنهم إسلاما لكونه إسلاما في الحقيقة وإن زعموا أنه إيمان وسموه به . وأدرج في تقرير اللطافة جواب ما دفعه بقوله آنفا على ما زعمتم حيث قال : بل لو صح ادعاؤهم الإيمان فللّه المنة عليهم بالهداية له لا لهم .