إضمار القول .
فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا
أي فقال : أسر أو قال : إن كان الأمر كذلك فأسر .
وقرأ نافع وابن كثير بوصل الهمزة من « سرى »
إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ
( 23 ) يتبعكم فرعون وجنوده إذا علموا بخروجكم .
وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً
مفتوحا ذا فجوة واسعة أو ساكتا على هيئته بعد ما جاوزته ولا تضربه بعصاك ولا تغير منه شيئا ليدخله القبط .
إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ
( 24 ) وقرىء بالفتح بمعنى لأنهم .
كَمْ تَرَكُوا
كثيرا تركوا
مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 25 ) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ
( 26 ) محافل مزينة ومنازل حسنة .
وَنَعْمَةٍ
وتنعم
كانُوا
شرح
قوم مجرمون . سماه دعاء مع أنه ليس بدعاء صريح لأنه دعاء عليهم على سبيل التعريض كأنه قيل : إنهم قوم تناهى أمرهم في الكفر والعصيان وأنت أعلم بهم فافعل بهم ما يستحقونه .
قرأ العامة « أن هؤلاء » بفتح « أن » على إضمار حرف الجر . قوله : ( أي فقال أسر أو قال إن كان الأمر كذلك فأسر ) ولما كان عطف قوله : « فأسر » على قوله : « فدعا ربه » من قبيل عطف الإنشاء على الإخبار بحسب الظاهر ذكر له وجهين : الأول أن يضمر القول بعد الفاء أي فقال اللّه تعالى أسر بعبادي ليلا ، والثاني أن يكون « فأسر » جواب شرط محذوف كأنه قيل : قال اللّه تعالى إن كان الأمر كما نقول فاسر . وقرىء « فاسر » بقطع الهمزة ووصلها على أن سرى وأسرى لغتان بمعنى أنه سار به ليلا .
قوله : ( مفتوحا ذا فجوة واسعة أو ساكنا ) يعني أن الزهو مصدر إما من قولك : رها بين رجليه يرهو رهوا أي فتح ، أو من قولك : رها البحر أي سكن يقال : افعل ذلك رهوا أي راهيا ساكنا . فقوله :الْبَحْرَ رَهْواًمن قبيل رجل عدل أي راهي ساكن ، أو وصف البحر بالمصدر للمبالغة ، أو بتقدير ذي رهو . والفجوة الفرجة المتسعة بين الشيئين أي اتركه على حاله منفتحا متفرقا بين كل فرقين منه طريق متسع يابس . وكان موسى عليه الصلاة والسّلام أمر بضرب البحر بعصاه حتى ينفلق طرقا وقام كل فرق في الهواء كالطود العظيم ، فلما عبر هو وبنو إسرائيل سالما خاف أن يدخله القبط مع فرعون ويعبروا كما عبر هو وأصحابه ، وأراد أن يضربه بعصاه فينطبق كما ضربه أولا فانفلق فأمر أن يتركه منفتحا ساكنا على حاله وهيئته من انتصاب الماء في الهواء وكون الطريق يبسا ليدخله القبط ، فإذا حصلوا فيه جميعا أطبقه اللّه تعالى عليهم فيغرقهم أجمعين . قرأ العامة « إنهم مغرقون » بكسر همزة « إن » على الاستئناف أخبر اللّه تعالى موسى أنه يغرقهم ليطمئن قلبه فيترك البحر على حاله . قوله :
( كثيرا تركوا ) يعني أن « كم » خبرية للتنكير منصوبة المحل « بتركوا » . وفي الآية اختصار والمعنى : ففعل موسى ما أمر به من ترك البحر رهوا فدخله فرعون وقومه فانطبق البحر عليهم فأغرقوا جميعا فحين ذلك تركوا بساتين كثيرة وكذا وكذا . والنعمة بكسر النون ما أنعم به عليك وبفتحها التنعم وغضارة العيش .