قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا
أمر تهديد فيه إشعار بأن الكفر نوع تشهي لا سند له وإقناط للكافر من التمتع في الآخرة ، ولذلك علله بقوله :
إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ
( 8 ) على سبيل الاستئناف للمبالغة .
شرح
الضلال والإضلال ليس كذلك . وتقرير الجواب أن عاقبة الفعل شبهت بالعلة الغائية للفعل في ترتبها عليه فاستعمل فيها لام العلة بطريقة الاستعارة التبعية كما في قوله تعالى :فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً[ القصص : 8 ] . قوله تعالى :( قُلْ )أي قل : يا محمد لهذا الكافر تمتع بكفرك قليلا أي تمتعا قليلا أو زمانا قليلا ، ولا يصح كونه أمر إيجاب أو ندب أو تخيير وهو ظاهر فلا محل له سوى التهديد والمبالغة في خذلانه وتخليته وشأنه .
قوله : ( فيه إشعار بأن الكفر نوع تشهي ) فإنه لما عبّر عن الاشتغال بالكفر بالتمتع وهو الانتفاع بما تشتهيه النفس أشعر ذلك كون الكفر فيه نوع تشهي لابتنائه على الاستمرار على المألوفات وموافقة الأسلاف من الآباء والأمهات . قوله : ( وإقناط ) عطف على إشعار وهو مستفاد من قوله « قليلا » لأنه لما قلل زمان تمتعه بكفره علم أن المراد بذلك الزمان مدة بقائه في الدنيا والحكم عليه بأنه في دار الأبد من أصحاب النار مبالغة في إقناطه من التمتع ، لأنه كيف يتصور التمتع والتلذذ ممن يعذب أبدا في النار ؟ ثم إنه تعالى لما شرح صفات المشركين وتمسكهم بغير اللّه تعالى حال الاختيار أردفه بشرح أحوال المحقين فقال :أَمَّنْ هُوَ قانِتٌالآية أصله « أم من » فأدغمت الميم في الميم فسر القنوت بالقيام بما يجب عليه من وظائف العبادات والإتيان بها مطلقا أي سواء كان ذلك حال الانتصاب على الإقدام أو لا . روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « كل قنوت في القرآن فهو طاعة اللّه عز وجل » و « أم » متصلة داخلة على « من » الموصولة وقوله :هُوَ قانِتٌصلة من والموصول مع صلته في محل الرفع على الابتداء وخبره محذوف كما حذف معادل « أم » المتصلة والتقدير : الكافر الذي جعل مع اللّه إلها آخر . وقيل له : تمنع بكفرك قليلا خير أم المؤمن القائم بوظائف العبادات خير أي أيهما خير وإن كانت « أم » المنقطعة المتضمنة معنى « بل » والهمزة تكون للإضراب عن الكلام السابق وهو قوله :وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ[ الزمر : 8 ] إلى آخر الآية كأنه قيل :
دع ذلك الذم وقل لهم بل أمن هو قانت كضده أو كالإنسان المذبذب الذي قيل له تمتع بكفرك . وإن قرىء بتخفيف الميم تكون همزة الاستفهام داخلة على « من » بمعنى « الذي » ويكون خبره محذوفا تقديره : أمن هو قانت كمن جعل للّه أندادا ، أو أمن هو قانت كغيره والاستفهام فيه للإنكار و « آناء الليل » منصوب على الظرفية أي قانت ساعات الليل . وفيه دلالة على أن قيام الليل أفضل من قيام النهار . وقرىء « ساجد » و « قائم » بالرفع فيهما على أن « ساجد » خبر ثان لهو في قوله :هُوَ قانِتٌو ( قائم ) عطف عليه والواو المتحللة بينهما مع