باعورا من أولاد آزر ابن أخت أيوب أو خالته ، وعاش حتى أدرك داود وأخذ منه العلم وكان يفتي قبل مبعثه . والجمهور على أنه كان حكيما ولم يكن نبيا ، والحكمة في عرف العلماء استكمال النفس الإنسانية باقتباس العلوم النظرية واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة على قدر طاقتها . ومن حكمته أنه صحب داود شهورا وكان يسرد الدرع فلم يسأله عنها فلما أتمها لبسها وقال : نعم لبوس الحرب أنت . فقال : الصمت حكم وقليل فاعله . وأن داود قال له يوما : كيف أصبحت ؟ فقال : أصبحت في يد غيري ، فتفكر داود فيه فصعق صعقة ، وأنه أمره مولاه بأن يذبح شاة ويأتي بأطيب مضغتين منها فأتى باللسان والقلب ثم بعد أيام أمره بأن يأتي بأخبث مضغتين منها فأتى بهما أيضا فسأله عن ذلك فقال : هما أطيب شيء إذا طابا وأخبث شيء إذا خبثا .
أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ
لأن أشكر أو أي أشكر ، فإن إيتاء الحكمة في معنى القول
وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ
لأن نفعه عائد إليها وهو دوام النعمة واستحقاق مزيدها .
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ
لا يحتاج إلى الشكر
حَمِيدٌ
( 12 ) حقيق بالحمد وإن لم يحمد ، أو محمود نطق بحمده جميع مخلوقاته بلسان الحال .
وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ
أنعم أو أشكم أو مأتان .
وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ
تصغير إشفاق . وقرأ ابن كثير « يا بني » بإسكان الياء ، وقنبل
شرح
« فما » مبتدأ والموصول مع صلته خبره والعائد محذوف أي ما الذي خلقه الذين من دونه .
قوله : ( ومن حكمته ) قيل : أول ما سمع من حكمته أن مولاه دخل الكنيف يوما فأطال فيه المكث فلما خرج قال له : لا تطل المكث في الخلاء فإن طول المكث فيه يورث الباسور .
واتفق العلماء على أنه كان حكيما ولم يكن نبيا إلا عكرمة فإنه قال : إنه كان نبيا . وقد تفرد بهذا القول ، فعلى قوله يكون المراد بالحكمة هنا النبوة . روي عن النبي عليه الصلاة والسّلام : « أنه لم يكن نبيا ولكن كان عبدا كثير التفكر حسن اليقين أحب اللّه فأحبه » .
قوله : ( لأن أشكر ) على أن تكون « أن » مصدرية موصولة بفعل الأمر كقولك : أمرتك أن أقم أي بالقيام ، فكذا ههنا « أتيناه الحكمة لأن أشكر » أي للشكر ، والظاهر أنها مفسرة لأن إيتاء الحكمة لكونه في معنى التعليم والتلقين يتضمن معنى القول والمعنى : أشكر للّه تعالى فيما أعطاك من الحكمة بالتوحيد والطاعة له . وقد نبه اللّه تعالى على أن الحكمة الأصلية والعلم الحقيقي في حق المخلوقين هو عبادة اللّه تعالى وشكر نعمه حيث فسر إيتاء الحكمة بالبعث على الشكر ثم قال : ومن يشكر إنعام اللّه تعالى بالطاعة له فنفع شكره يرجع إليه ومن كفر نعم اللّه عليه بترك التوحيد والطاعة له ، فإن اللّه غني عن شكر خلقه وعبادتهم . قوله تعالى :( وَإِذْ قالَ لُقْمانُ )أي واذكر حين قال لقمان لابنه وهو يعظه الجملة حال من لقمان أي قال واعظا له . قوله : ( يا بني تصغير إشفاق وقرأ ابن كثير يا بني لا تشرك بإسكان الياء وقنبل