وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ
أي خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور ثم صورناه نزل خلقه وتصويره منزلة خلق الكل وتصويره ، أو ابتدأنا خلقكم ثم تصويركم بأن خلقنا آدم ثم صورناه
ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ
وقيل : ثم لتأخير الإخبار
فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ
( 11 ) ممن سجد لآدم .
شرح
ميزان اخر ، ولما يتعلق بأقواله ميزان ثالث . وقوله : « جمع معيشة » هي اسم لما يعاش به أي يحيى به . وقيل : ما يتوصل به إلى العيش والعامة على معايش بصريح الياء . وروي عن نافع معائش بالهمزة . قال النحويون : هذا غلط لأنه لا تهمز عندهم الياء الواقعة بعد ألف الجمع إلا إذا كانت زائدة أي لا يهمز إلا ما كان حرف المد فيه زائدا نحو : صحائف ومدائن . وأما معايش فالياء فيه أصلية لأنها من العيش ووجه همزها أن يشبه الأصلي بالزائد فيقال : إن معيشة على زنة صحيفة فكما تهمز ياء صحيفة فكذلك تهمز ياء معيشة أيضا . ثم إنه تعالى لما ذكر كثرة نعمه تعالى على العبد اتبعه بذكر أنه خلق أبانا وجعله مسجود الملائكة والإنعام على الأب يجري مجرى الإنعام على الابن . وكلمة« ثُمَّ »في قوله :ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواتدل على أن أمر الملائكة بالسجود لآدم كان بعد خلق بني آدم وتصويرهم ، وليس كذلك لأن خلقه تعالى وتصويره إياهم إنما هو بعد قوله تعالى للملائكة اسجدوا بزمان مديد .
فذكر له ثلاثة أوجه ارتضى الوجهين الأولين منها وضعف الثالث . الوجه الأول أن « ثم » للترتيب الزماني وأن المراد بخلق بني آدم وتصويرهم خلق نفس آدم وتصويره عبر عنهما بخلق الكل وتصويره لكون خلقه وتصويره مبدأ خلق الكل . والوجه الثاني أنه ليس المراد بخلق المخاطبين وتصويرهم خلقهم وتصويرهم حقيقة حتى يشكل قوله تعالى :ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوابل المراد به الابتداء بخلقهم وتصويرهم بأن خلق آدم ثم صوره فلا إشكال . والوجه الثالث أن « ثم » ليست للترتيب في الزمان بل هي للترتيب في الإخبار بناء على أن الإخبار بإنعام تلك النعمة نعمة أخرى فإن تشريف المخاطبين بجعل أبيهم مسجود الملائكة متفرع على إيجادهم وتصويرهم . ولم يرض بهذا الوجه لأن حمل « ثم » على الترتيب في الإخبار إنما يصار إليه إذا تعذر حملها على أصل معناها ولم يتعذر ذلك لما ذكر في الوجهين الأولين . والسجود في الأصل تذلل مع تطامن . وفي الشرع وضع الجبهة على الأرض بقصد العبادة والمأمور به إما المعنى الشرعي فالمسجود له بالحقيقة هو اللّه تعالى وجعل آدم قبلة سجودهم تفخيما لشأنه ، وإما المعنى اللغوي وهو التواضع لآدم تحية وتعظيما له كسجود أخوة يوسف له أو التذلل والانقياد بالسعي في تحصيل ما ينوط به معاشهم ويتم به كمالهم . وعلى التقديرين فالآية تدل على أن آدم أفضل من الملائكة المأمورين بالسجود له ولو من وجه ، وأن إبليس كان من الملائكة وإلا لم يتناوله أمرهم ولم يصح استثناؤه منهم