وعقّبها تعداد النعم العامة تقريرا لها وتأكيدا فإنها من حيث إنها حوادث محكمة تدل على محدث حكيم له الخلق والأمر وحده لا شريك له ، ومن حيث إنّ الإخبار بها على ما هو
شرح
والأحكام حتى أنه قيل : إن فيها ألف أمر وألف نهي وألف حكم وألف خبر . وقيل : فيها خمسمائة حكم وخمسة عشر مثلا ، وانتهت معاني آيات الرحمة والرجاء والعذاب فيها إلى ثلاثمائة وستين ، ناسب ذلك أن يكون مطلعها وافتتاحها ببيان حقيقة القرآن وأنهلا رَيْبَ فِيهِ[ البقرة : 2 ] لتقبل القلوب وتصغي الأسماع إلى قبول ما بين فيه واستماعه . ثم لما كان من وصف الكتاب أنههُدىً لِلْمُتَّقِينَ[ البقرة : 2 ] تخلص منه إلى بيان وصف المؤمنين وأثنى عليهم ثم استطرد إلى وصف أضدادهم من الكفار والمنافقين ، ولما أنهى الكلام في أوصافهم دعا الناس كلهم إلى عبادته وأقام دلائل على وحدانيته ، ثم عاد إلى ما افتتح به من نفي الريب عن القرآن ليقيم الحجة عليه ويزيل الشبهة عنه فقال :وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا[ البقرة : 23 ] الآية وهكذا شأن القرآن يفتتح بالمقصود ويستطرد منه إلى أمور شتى لأدنى ملاءمة ثم يعود إلى تتمة المقصود ويوفيه . وهذا الاحتجاج القائم على نفي الريب عن القرآن يتضمن الاحتجاج على صدق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيما ادعاه من النبوة لأن حقيقة القرآن تستلزم ذلك ، فكانت هذه الآية من دلائل النبوة بهذا الاعتبار . فإنه تعالى ذكر دليل المعاد بقوله تعالى :فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي[ البقرة : 24 ] أي فاتقوا الفساد المستلزم له دخول النار فاتقاء النار كناية عن اتقاء الفساد المستلزم له ، ولما أنذر الكافرين بالنار المعدة لهم عقبه ببشارة المؤمنين الذين يعملون الصالحات بجنات تجري من تحتها الأنهار . قوله : ( وعُقْباها )أي أورد عقب تلك الدلائل الثلاث تعداد النعم العامة لجميع بني آدم المذكورين بقوله :كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً[ البقرة : 28 ] إلى قوله :يا بَنِي إِسْرائِيلَ[ البقرة : 40 ] . قوله : ( تقريرا لها ) أي لتلك الدلائل علة لقوله : « عقبها » ثم بيّن وجه كون تعداد تلك النعم تقريرا لها وتأكيدا بقوله : « فإنها » يعني أن هذه النعم تقرر دليل الوحدانية من حيث إنها أمور حادثة لا بد لها من محدث منفرد بوجوب الوجود وصفات الكمال ، وتقرر دليل النبوة من حيث إن نبينا عليه السّلام أخبر عن أحوال آدم وحواء وما وقع لهما من الحوادث الجزئيات التي لا يقف عليها إلا من له المعرفة بالكتب السماوية فإنها مذكورة فيها . وهو عليه السّلام نشأ بين قوم أميين ولم يعرف بالاختلاف إلى أحد من أهل الكتاب ولم يكن له معرفة بألسن الذين ذكرت القصص في كتبهم ولم يغترب عن وطنه مدة يمكن التعلم في تلك المدة ، ولم يوجد النكير ممن له المعرفة بالكتب في شيء مما أخبر به ، فدل ذلك على أنه علم من طريق الوحي من اللّه تعالى إليه فكان ذلك دليلا قطعيا على نبوته إذ لا يعلم الغيب إلا اللّه تعالى ومن ارتضاه لرسالته ، فيظهر الغيب عليه ليبلغه إلى