الجزء الثاني
[ تتمة سورة البقرة ]
بسم اللّه الرحمن الرحيم واعلم أنه سبحانه وتعالى لمّا ذكر دلائل التوحيد والنبوّة والمعاد
شرح
قوله : ( واعلم أنه تعالى لمّا ذكر دلائل التوحيد إلى آخره ) أي بقوله تعالى :يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ[ البقرة : 21 ] إلى قوله :فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ[ البقرة : 22 ] فإنه تعالى لما ذكر فرق المكلفين من المؤمنين والكفار والمنافقين وصفتهم وأحوالهم وما اختصت به كل فرقة ، أقبل عليهم بالخطاب ملتفتا عن الغيبة فأمر ونهى ودعا إلى عبادته وحده ثم وصف نفسه بأوصاف دالة على وحدانيته من خلقهم وخلق من قبلهم أحياء قادرين ، وخلق مفترشهم ومستقرهم الذي لا بد لهم منه ، وخلق ما هو كالخيمة المفرودة على هذا المستقر ومن ربط أحدهما بالآخر ربطا يشبه عقد النكاح بإنزال الماء من المظلة على المقلة والإخراج به من بطنها أشباه النسل المنتج من الحيوان من ألوان الثمار رزقا لبني آدم تذكيرا لهم بأعظم نعمه ليستدلوا به على وحدانية منعمه من حيث إنه لا يقدر عليه غيره . فإن تذكير النعم يوجب المحبة وترك المنازعة وحصول الانقياد ويدعو إلى مقابلتها بالشكر لمنعهما ، وتخصيص نعمة الوجود والحياة وما تتوقف عليه الحياة من المسكن والمعاش لكونها أدعى إلى التفكر في أن هذه النعم المخلوقة لكونها بحيث لا يقدر على إيجاد شيء منها إلا خالق ليس كمثله شيء حتى يتيقنوا بأن ربهم إله واحد منزّه عن الشركاء والأنداد ولا يجعلوا شيئا من المخلوقات ندا له وهم يعلمون أن شيئا منها لا يقدر على نحو ما هو قادر عليه . واعلم أنه تعالى لما افتتح هذه السورة بالشهادة للقرآن بأنه حق ونفي الريب عنه ، وكانت المناسبة في ذلك أن هذه أول السور المطولة التي فصل فيها الأصول والأدلة