الشيء لا يعطف على نفسه ولا على ما هو داخل فيه ، أنّ لهم منصوب بنزع الخافض وإفضاء الفعل إليه أو مجرور بإضماره مثل : اللّه لأفعلنّ . والجنّة المرّة من الجنّ وهو مصدر جنّة إذا ستره ومدار التركيب على الستر سمي به الشّجر المظلّل لالتفاف أغصانه للمبالغة كأنه يستر ما تحته سترة واحدة . قال ابن زهير :
كأنّ عينيّ في غربى مقتّلة * من النّواضح تسقي جنّة سحقا
شرح
أي الأعمال خارجة عن مسمى الإيمان أي ليست نفس الإيمان كما ذهب إليه آخرون . والآية حجة عليهم لأنه لو كان العمل نفس الإيمان لزم عطف الشيء على نفسه وهو لا يجوز ، وكذا لا يعطف على الشيء ما هو داخل فيه . ومن قال : إن الإيمان باللّه تعالى عبارة عن مجموع التصديق بالقلب والإقرار باللسان وطاعة اللّه تعالى في جميع ما كلف به من الأفعال والتروك ، له أن يقول : إن الداخل في الشيء قد يعطف عليه لغرض كما في قوله تعالى :وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ[ البقرة : 98 ] فإن جبريل داخل في الملائكة وقد عطف عليهم تفخيما لشأنه . وقوله : « إن لهم منصوب المحل بنزع الخافض » فإن الأصل : وبشر الذين آمنوا بأن لهم جنات ، فحذف حرف الجر وهو حذف مطرد مع « أن » ومع « أن » الناصبة للمضارع بسبب طولهما بالصلة فلما حذف حرف الجر اختلف النحاة : فذهب الخليل والكسائي إلى أن كلمة « أن » مع « ما » في حيزها مجرور المحل بناء على أن حرف الجر وإن ذهب لفظا فهو ملحوظ معنى فيكون موجودا حكما والجر باقيا ، كما في قولهم : اللّه لأفعلن بجر لفظة الجلالة بإضمار الجار . وذهب سيبويه والفراء إلى أنه منصوب المحل بناء على أن فصحاء العرب إذا حذفوا حرف الجر يجعلونه نسيا منسيا ويوصلون الفعل بنفسه إلى مدخوله فينصبونه كما في قوله :وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ[ الأعراف : 155 ] وهو المختار لأن حذف حرف الجر وإبقاء عمله نادر قليل . و « جنات » اسم « أن » و « لهم » خبرها مقدما ولا يجوز تقديم خبر « أن » وأخوتها إلا ظرفا أو حرف جر .
قوله : ( ومدار التركيب ) أي أن حروف « جن » تتضمن معنى الستر ومنه يقال للترس الذي يستتر به في الحروب « جنة » وللقلب المخفي المستور « جنان » . وسمي الجنون جنونا لما فيه من ستر العقل ، والجن جنا لاستتارهم عن أعين الناس ، والجنين وهو الولد الذي في بطن أمه سمي جنينا لاستتاره فيه . قوله : ( لالتفاف أغصانه ) متعلق بالمظلل أي لكثرتها واجتماعها . وفي الصحاح : التفاف الناس والشيء كثرته ، واللفيف ما اجتمع من الناس من قبائل شتى ، وقوله تعالى :جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً[ الإسراء : 104 ] أي مجتمعين . قوله :
( للمبالغة ) متعلق بقوله : « سمي به » أي بالمصدر . وسبب المبالغة أمران : أحدهما تسمية الذات بالمصدر كما في نحو : رجل عدل ، وثانيهما كون الجنة بتاء المرة من الستر تدريجا ،