وهو القرآن المعجز بفصاحته التي بذت فصاحة كلّ منطيق وإفحامه من طولب بمعارضته من مصاقع الخطباء من العرب العرباء مع كثرتهم وإفراطهم في المضادّة والمضارة ، وتهالكهم على المعازّة والمعارّة وعرّ ما يتعرّف به إعجازه ويتيقّن أنّه من عند اللّه كما يدعيه . وإنما قال : مما نزّلنا لأن نزوله نجما فنجما بحسب الوقايع على ما نرى عليه أهل الشعر والخطابة مما يريبهم . كما حكى اللّه عنهم فقال :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً
[ الفرقان : 32 ] فكان الواجب تحدّيهم على هذا الوجه إزاحة للشبهة وإلزاما للحجة وأضاف العبد إلى نفسه تعالى تنويها بذكره وتنبيها على أنه مختص به منقاد
شرح
منهم وقوله : « مما » متعلق بمحذوف مجرور على أنه صفة « لريب » و « من » للسببية أو لابتداء الغاية و « ما » موصولة أو نكرة موصوفة والعائد محذوف على التقديرين أي نزلناه وهو القرآن . قوله : ( التي بذت ) أي غلبت . والمضارة من الضرر ، والمعازة المغالبة من عز إذا غلب ، والمعارة الإفساد من المعرة وهي الفساد . قوله : ( وإنما قال : مما نزّلنا ) يعني أن تنزيل الشيء هو إنزاله على سبيل التدريج مرة بعد مرة في أوقات مختلفة بخلاف الإنزال فإنه موضوع للدلالة على النزول مطلقا مع قطع النظر عن الكثرة والتنجيم . وتضعيف عين الفعل اللازم كالهمزة في أن كل واحد منهما من أسباب التعدية ، فالمشهور الشايع كونهما للتعدية عند اتصالهما بالفعل اللازم ولا يكون التضعيف للتكثير والتدريج إلا نادرا كما في قوله تعالى :مِمَّا نَزَّلْنافإن المخفف لازم وقد عديّ بالتضعيف . وفهم كون المراد نزوله منجما على حسب الوقايع بمعونة المقام فإن نزوله هكذا لما أرابهم وقالوا : لولا نزل هذا القرآن جملة واحدة أنزل اللّه تعالى هذه الآية إزاحة لشبههم وإلزاما للحجة عليهم بأن عجزوا عن إتيان ما يوازي أقصر نجومه . فعلم لنزوله بهذا السبب أن المراد نزوله نجما منجما بخلاف قولهم : لولا نزل هذا القرآن جملة واحدة فإن التضعيف فيه لمجرد التعدية إذ ليس المعنى على أنهم اقترحوا تكرير نزول القرآن جملة واحدة وفي قوله تعالى :مِمَّا نَزَّلْناالتفات من الغيبة إلى التكلم لأن ما قبله هو قوله :اعْبُدُوا رَبَّكُمُفمقتضى الظاهر أن يقال بعده : مما نزل على عبده ولكنه التفت إلى التكلم لتفخيم المنزل وعدي التنزيل بكلمة « على » لإفادتها الاستعلاء الدال على تمكن المنزل من المنزل عليه واستقراره عليه وكلمة « إلى » إنما تفيد الوصول والانتهاء فقط .
قوله : ( تنويها بذكره ) أي رفعا لذكر العبد وتعظيما لشأنه يقال : ناه الشيء ينوه أي ارتفع ونوهته تنويها إذا رفعته ، ونوهت باسمه إذا رفعت ذكره . والتعريف بالإضافة قد يكون لتعظيم شأن المضاف كما في قولك : عبد الخليفة جاء ، وقد يكون لتعظيم المضاف إليه كما في قولك : عبدي حضر ، وقد يكون لتعظيم غيرهما كما في قوله : عبد السلطان ضيفي .