الصيّب مقامه لكن معناه باق فيجوز أن يعوّل عليه كما عوّل حسّان في قوله :
يسقون من ورد البريص عليهمو * بردى يصفّق بالرّحيق السلسل
حيث ذكّر الضمير لأنّ المعنى ماء بردى والجملة استيناف فكأنّه لما ذكر ما يؤذن بالشدة والهول ، قيل : فكيف حالهم مع ذلك ؟ فأجيب بها . وإنما أطلق الأصابع موضع الأنامل للمبالغة .
مِنَ الصَّواعِقِ
متعلّق بيجعلون أي من أجلها يجعلون كقولهم : سقاه من العيمة .
شرح
الموضع نازلا عليهم ماء بردى ممزوجا بالرحيق السلسل أي بالخمر الحلو الذي يدخل الحلق بسهولة بقوله :( يسقون من ورد البريص عليهمو * بردى يصفق بالرحيق السلسل )فقوله : « من ورد » مفعول أول « ليسقون » و « بردى » مفعول ثان له . والتقدير ماء بردى لأن بردى اسم نهر ونفس النهر لا يسقى « وعليهمو » متعلق بمحذوف منصوب على أنه حال من المنوي في « ورد » و « يصفق » حال من المضاف المقدر وهو ماء بردى . وتصفيق الشراب تحويله من إناء إلى إناء آخر للتصفية . والرحيق الشراب الخالص الذي لا غش فيه والسلسل السهل الانحدار . وقوله : « حيث ذكر » بتشديد الكاف في ذكر بيان لقوله : « عول » . قوله :
( والجملة ) أي جملة « يجعلون أصابعهم » استيناف ولذلك لم تعطف على ما قبلها . فإنه لما ذكر ما يؤذن بالشدة والهول بناء على أن الصيب باعتباره تنكيره يدل على نوع شديد من المطر وكذا يدل عليه باعتبار مأخذ اشتقاقه ، وباعتبار خصوص بنائه ، وباعتبار كونه مطبقا نازلا من الآفاق كلها ، وباعتبار ما في ظلمات ورعد وبرق من الكثرة والتعظيم والتهويل المستفادة من الجمعية والتنكير . فلما ذكر ابتلاء أصحاب الصيب بمثل هذه الشدة والهول توجه أن يقال : كيف حال هؤلاء المساكين مع ما ذكر مما يؤذن بهذه الشدائد والأهوال ؟
فالجواب عنه بجملة « يجعلون أصابعهم في آذانهم من أجل الصواعق التي فيه » والمراد بالصاعقة ههنا شدة صوت الرعد بحيث ينزل معها قطعة من النار . قوله : ( وإنما أطلق الأصابع ) يعني أن التي تجعل في الآذان هي رؤوس الأصابع ويقال لها الأنملة لا مجموع الأصابع وكان الظاهر في ذلك أن يقال : يجعلون أناملهم إلا أنه ذكر لفظ الأصابع بدل لفظ الأنامل للمبالغة في الدلالة على قوة الباعث الذي يحملهم على الجعل المذكور لكمال شدته .
قوله : ( أي من أجلها ) إشارة إلى أن لفظة « من » ههنا للسببية بمعنى لام الأجل كما في قوله سبحانه وتعالى :وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا[ مريم : 53 ] أي من أجل رحمتنا وقوله