عليه من التغيير ثم استعير لكل حال أو قصة أو صفة لها شأن وفيها غرابة مثل قوله تعالى :
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ
[ الرعد : 35 ] وقوله تعالى :
وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى
[ النحل : 60 ] والمعنى حالهم العجيبة الشأن كحال من استوقد نارا . والذي بمعنى الذين كما في قوله تعالى :
وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا
[ التوبة : 69 ] إن جعل مرجع الضمير في
شرح
غرابة حوفظ عليه من التغيير وحمى ، لأن الأعلام لا تتغير ولأنه لو غير لربما انتفت الدلالة على تلك الغربة في التركيب المغير إليه . والأظهر أن الحفظ على الأمثال وعدم جواز تطرق التغير لها من أجل أن المثل استعارة فيجب أن يكون عين اللفظ الدل على المشبه به لأن اللفظ المستعار يجب أن يكون كذلك مثلا لو قيل : الصيف ضيعت اللبن بفتح تاء الخطاب كان تغييرا لأصله إذ هو بكسر تاء المخاطبة فلا يكون مثلا . وقصته أن امرأة كانت تحت رجل وكان شيخا فنشزت هي منه فطلقها الشيخ في وقت الصيف ثم تزوجها شاب فقير فأجدبت أي أصابها جدب وهو ضد الخصب ، فجاءت يوما إلى زوجها الأول تطلب منه لبنا فأجابها بقوله : الصيف ضيعت اللبن فاشتهر هذا القول بين الناس بحيث صار كأنه علم الحال تلك المرأة ، ثم ضرب مثلا في كل من تطلب شيئا فوته على نفسه في وقته تشبيها لحاله بحال تلك المرأة . فلو كان المضروب مذكرا وقيل له : « ضيعت » بالتذكير لم يكن استعارة لأن الأمثال لا تغير . قوله : ( ثم استعير لكل حال الخ ) لما ذكر أن للمثل مفهوما لغويا وهو النظير والشبيه ثم نقل منه إلى معنى عرفي وهو القول السائر ، وكان لفظ المثل مستعملا في موضع لا يصح أن يحمل فيه على أحد هذين المعنيين كما في هذه الآية وفي قوله تعالى :مَثَلُ الْجَنَّةِ[ الرعد : 35 ] وقوله تعالى :وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى[ النحل : 60 ] احتاج إلى بيان استعماله في معان أخر مشابهة لمعناه العرفي من حيث كونها مشتملة على شأن وغرابة فيكون لفظ المثل في تلك المعاني استعارة تصريحية كاستعارة الأسد للرجل الشجاع . قوله : ( لها شأن وفيها غرابة ) صفة لكل مما تقدم على سبيل البدل . والمقصود من هذا التوصيف بيان الجامع بين المعنى العرفي المستعار منه والمستعار له وهو الاشتراك في الغرابة وعظم الشأن .
فسر صاحب الكشاف قوله تعالى في صورة محمد صلّى اللّه عليه وسلّممَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَبقوله : فيما قصصنا عليك من العجائب قصة الجنة الغريبة ، ثم أخذ في بيان عجائب تلك القصة بقوله :فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ[ محمد : 15 ] الآية وفسر قوله تعالى :وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلىبقوله : أي له الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة . ومعنى هذه الآية حالهم العجيبة الشأن كحال من استوقد نارا . قوله : ( والذي بمعنى الذين ) جواب عن سؤال مقدر تقديره أن الظاهر أن قوله :ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ[ البقرة : 17 ] جواب « لما » وأن ضمير الجمع في قوله :بِنُورِهِمْيرجع إلى قوله :الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراًوهو مفرد . ولا