تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
كلقيان ولقيان تجاوز الحدّ في العتو والغلوّ في الكفر ، وأصله تجاوز الشيء عن مكانه قال تعالى :
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ
[ الحاقة : 11 ] والعمة في البصيرة كالعمى في البصر وهو التحيّر في الأمر يقال : رجل عامه وعمه وأرض عمهاء لامنا ربها قال :
أعمى الهدى بالجاهلين العمّه
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى
اختاروها عليه واستبدلوها به وأصله بذل الثمن لتحصيل ما يطلب من الأعيان ، فإن كان أحد العوضين ناضّا تعيّن من حيث إنّه لا يطلب لعينه أن يكون ثمنا وبذله اشتراء ، وإلّا فأي العوضين تصورته بصورة الثمن فباذله مشتري وآخذه بائع ولذلك عدّت الكلمتان من الأضداد . ثم استعير للإعراض عما في يده محصّلا به غيره سواء كان من المعاني أو الأعيان .
شرح
وقوله : « وهم مع ذلك يعمهون في طغيانهم » إشارة إلى كيفية صرف الآية عن ظاهرها فإن ظاهرها يدل على أن قوله :فِي طُغْيانِهِمْمتعلق « بيمدهم » فجعله متعلقا « بيعمهون » وجعل « يعمهون » خبر مبتدأ محذوف والجملة مستأنفة لبيان عدم انتفاعهم بما أمدهم اللّه تعالى به . قوله : ( كلقيان ولقيان ) فإنهما مصدران بمعنى اللقاء . يقال : لقيته لقاء بالمد ولقي بالضم والقصر ولقيا بالتشديد ولقيانا ولقيانة واحدة ولقية واحدة ولقية واحدة . ولقاة واحدة . قال الواحدي : كل شيء جاوز القدر فقد طغى . ومنه قوله تعالى :إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ[ الحاقة : 11 ] وقيل لفرعون إنه : « طغى » أي أسرف في العصيان حتى ادعى الربوبية . قوله : ( وأرض عمهاء ) الظاهر أنه من توصيف المحل بوصف من حل فيه ، والمنار علم الطريق الجوهري : عمه الرجل بكسر الميم فهو عمه وعامه والجمع عمه . قال رؤبة :ومهمه أطرافه في مهمه * ( أعمى الهدى بالجاهلين العمة )وأرض عمهاء لا علم بها . انتهى . أي رب مفازة لا تنتهي سعة بل أطرافها من جوانبها متصلة بمفازة أخرى . أعمى الهدى أي خفي المنار بالقياس إلى من لا دراية له بالمالك ، وبالجاهلين متعلق بأعمى الهدى وهو صفة بعد صفة لقوله : « ومهمه » أي هدى المهمة أعمى بالنسبة إلى الجاهلية بجهات المفاوز وكيفية الوصول منها إلى المطالب . ووصف الهدى بكونه أعمى والمراد عمى سالك المهمة وهدى المهمة كونه بين الأعلام واضح المسالك ، وإضافة الأعمى إلى الهدى من قبيل إضافة الصفة إلى فاعلها كما في قولك : أسود المقلة وأحمر الخد ؛ جعل الشاعر خفاء العلم عمى له بطريق الاستعارة . ثم إنه تعالى لما بيّن أن يجازي المنافقين على استهزائهم بالمؤمنين بقوله :اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْقال :أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدىتعليلا لاستحقاقهم الاستهزاء الأبلغ والمد في